إيران بعد مذكرة التفاهم: قراءة في لحظة التمكين وما يجب أن تفعله الدول العربية

صدرت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران لتغلق فصلاً من الحرب، لكنها فتحت في الوقت ذاته فصلاً أخطر بالنسبة للأمن العربي. فالاتفاق الذي قُدّم للرأي العام بوصفه “إنهاءً للحرب” و”تهدئة” يحمل في بنيته معادلة مقلقة: تحصل طهران على مكاسبها الاقتصادية والسياسية فوراً، بينما تُؤجَّل التزاماتها الجوهرية إلى مفاوضات قد تتعثر أو لا تكتمل. ورفع الحصار البحري، وإعادة فتح مضيق هرمز، وإصدار الإعفاءات التي تسمح بتصدير النفط الإيراني، والإفراج عن الأصول المجمّدة، والحديث عن صندوق إعمار ضخم — كل ذلك يعني عملياً أن إيران تخرج من الحرب لا منهكة فحسب، بل مزوّدة بموارد جديدة وبسردية انتصار تعيد إليها ثقتها الإقليمية.

والسؤال الذي يطرحه هذا الاتفاق على الدول العربية ليس ما إذا كانت إيران قد ضعفت عسكرياً — فهذا صحيح — بل ما إذا كانت ستخرج من هذه المرحلة أكثر جرأةً وقدرةً على إعادة بناء نفوذها مما كانت عليه قبل الحرب. فالضربات أضعفت قدرات إيران التقليدية، لكن مذكرة التفاهم لم تُلزمها بتفكيك شبكتها الإقليمية ولا بالتخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصّب، بل أعادت إليها شريان التمويل الذي كان يُفترض أن يكون أداة الضغط الأساسية عليها.

إن الخطر الحقيقي أن تتحول هذه المذكرة من “نهاية حرب” إلى “بداية تمكين”، وأن تجد المنطقة العربية نفسها بعد أشهر أمام إيران استعادت عافيتها المالية واحتفظت بأدوات نفوذها، بينما تكون قد دفعت هي وحدها كلفة الحرب وكلفة التسوية معاً.

لماذا تخرج إيران أكثر جرأة

ثمة ثلاثة عناصر في بنية الاتفاق تدفع نحو طهران أكثر ثقةً وجرأة.

الأول: إنعاش اقتصادي بلا ثمن استراتيجي

فإيران تحصل على إعفاءات تصدير النفط وعلى أصولها المجمّدة بشكل شبه فوري، في حين تُؤجَّل التنازلات المكلفة — مصير اليورانيوم المخصّب، ومستقبل التخصيب، وبرنامج الصواريخ، وشبكة الوكلاء — إلى مفاوضات لاحقة محكومة بسقف زمني قصير قابل للانهيار. هذا الترتيب يمنح طهران مكاسبها أولاً ويرجئ التزاماتها، وهو ما يقرأه أي طرف بوصفه انتصاراً تفاوضياً.

الثاني: بقاء بنية النفوذ الإقليمي سليمة

فالحرب أضعفت الجيش الإيراني النظامي، لكنها لم تمس جوهر مشروع طهران: علاقاتها بالميليشيات والوكلاء في العراق ولبنان واليمن وسوريا. وإيران التي تستعيد مواردها المالية مع احتفاظها بشبكة نفوذها تملك الوسيلة لإعادة بناء ما هدمته الحرب، بل وتقديم نفسها مجدداً حاميةً لتلك الأطراف.

الثالث: سابقة مضيق هرمز

فالاتفاق يضمن مرور السفن دون رسوم لمدة ستين يوماً فقط، وقد سارع المسؤولون الإيرانيون إلى الإعلان أن المضيق “لن يعود إلى ما كان عليه” وأن إيران ستتقاضى رسوماً مقابل خدماتها بعد ذلك. وهذه أوضح إشارة إلى الموقف الجديد: طهران تتعامل مع بند في تسوية أمريكية بوصفه أرضيةً للتفاوض ترفعها لاحقاً، وتفرض سيادتها على ممرٍّ مائيٍّ لا بديل عنه أمام البحرين والكويت وقطر والعراق.

ويكمن تحت هذه العناصر الثلاثة خللٌ في الإدراك قد يكون أخطر من أي بند: فالحرب خيضت قرب الأرض العربية ودون التشاور مع العواصم العربية، وانتهت بتسوية يرى كثيرون أنها مكّنت إيران بدل أن تحاصرها. وهذا الإدراك وحده — بصرف النظر عن تفاصيل الاتفاق — يمنح طهران رأس مالٍ سياسيّاً ثميناً.

أثر اللحظة على المنطقة العربية

الندوب الاقتصادية حقيقية وغير متكافئة. فالحرب ألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية النفطية والغازية ومنشآت تحلية المياه في الخليج، وعطّلت بعض المرافق الحيوية لأشهر أو سنوات، وأضعفت صورة المنطقة بوصفها مصدراً آمناً للطاقة ووجهةً موثوقة للاستثمار. وإعادة فتح مضيق هرمز تخفيفٌ حقيقي، لكن التعافي جزئيّ والضرر في السمعة باقٍ.

والضمانة الأمنية الأمريكية تبدو اليوم مشروطة. فلا اتفاقات التطبيع ولا وجود القواعد الأمريكية الكبيرة على الأرض حالا دون استهداف دول الخليج بالصواريخ، بل إن استضافة تلك القواعد كانت في بعض الحالات سبب الاستهداف. والدرس الذي خرجت به عواصم عربية كثيرة أن الحماية الأمريكية صارت “مشروطة وجزئية”، وأن عليها أن تدير ما بعد الحرب بمواردها هي.

والثقة مع إيران انهارت في الوقت الذي صار فيه التعامل معها أمراً لا مفرّ منه. فما بُني خلال سنوات من التقارب تبدّد تحت وقع الضربات على المنشآت المدنية، لكن الجغرافيا ثابتة: الممر المائي والبنية التحتية للطاقة وخطوط الملاحة مشتركة مع إيران. والنتيجة مفارقة قاسية: أقصى درجات انعدام الثقة تتزامن مع حتمية الجوار.

ولبنان هو نقطة الانفجار الأرجح. فالمذكرة تتحدث عن وقفٍ لإطلاق النار في لبنان دون أن تربطه بانسحاب القوات الإسرائيلية، وإسرائيل ليست طرفاً في الاتفاق، والاشتباك مستمرّ. ولبنان — المُهمَّش في المفاوضات، الغارق في أزماته — هو الحلقة الأضعف والأقرب إلى تفكيك التسوية برمّتها.

ما يجب أن يفعله العرب

الهدف واضح: منع هذه التسوية من أن تتحوّل إلى نظامٍ إقليميّ تملي فيه إيران المتمكّنة الشروط ويتحمّل العرب وحدهم الكلفة. ويقوم الردّ العربي على خمسة محاور.

أولاً: جعل مضيق هرمز خطاً أحمر جماعياً وفورياً

المسألة الأخطر هي ما إذا كان المضيق سيعود إلى منطق الرسوم الإيرانية بعد ستين يوماً. وعلى الدول العربية أن تجعل الملاحة الحرّة الدائمة شرطاً غير قابل للتفاوض لأي حوافز اقتصادية تصل إلى إيران، وأن تعلن ذلك جماعياً وكتابةً قبل انتهاء المهلة. فأموال الإعمار هي ورقة الضغط، ويجب ربطها مباشرةً بضمانات الملاحة.

ثانياً: المطالبة بمقعدٍ لا بإحاطة

خيضت الحرب على أرضٍ عربية دون تشاور، ولا يجوز أن تُدار المرحلة التالية كذلك. وعلى العرب أن يطالبوا بمشاركةٍ مباشرة في مفاوضات الستين يوماً في الملفات التي تمسّهم مباشرة — هرمز، والصواريخ، ونشاط الوكلاء — لا أن يتلقّوا نتيجةً يُتَّفق عليها ثنائياً بين واشنطن وطهران وتُعرض عليهم لاحقاً.

ثالثاً: بناء قدرة دفاعية مستقلة ومشتركة

الاعتماد على ضمانةٍ أمريكية أثبتت أنها مشروطة يجب أن يُستكمَل بقدرةٍ ذاتية. وهذا يعني تسريع الاستثمار في الدفاع الجوي والصاروخي، وتعميق التكامل الأمني الخليجي عبر الإنذار المبكر المشترك والدفاع الجوي المتكامل والتصنيع المشترك، وتنويع الشراكات مع أطراف أوروبية وآسيوية. والغاية ليست استبدال العلاقة مع واشنطن بل إنهاء التبعية التي تركت المنطقة مكشوفة.

رابعاً: توظيف التشابك الاقتصادي أداةَ ردع لا أداةَ استرضاء

التعامل مع إيران لا مفرّ منه، فليُبنَ بطريقةٍ ترفع كلفة أيّ عدوانٍ مقبل. فالتشابك الاقتصادي المحسوب — تجارةً وطاقةً واستثماراً مشروطاً بالسلوك — يخلق مصالح تجعل جولةً جديدة من الهجمات خساريةً لطهران نفسها. وكل حافزٍ يجب أن يكون قابلاً للسحب ومرتبطاً بضبطٍ إيرانيّ يمكن التحقق منه.

خامساً: تثبيت نقاط التماس، وفي مقدّمتها لبنان والمشرق

انهيار لبنان قد يفكك التسوية كلها ويمنح إيران ذريعةً لإعادة فرض حضورها عبر وكلائها. وعلى العرب — مع الشركاء الأوروبيين — أن يستخدموا الإعمار المشروط لتقوية احتكار الدولة اللبنانية للسلاح، مع الضغط لانسحابٍ إسرائيليّ يُزيل ذريعة بقاء السلاح بيد الوكلاء. والمنطق ذاته ينطبق على العراق وسوريا، حيث تُضعِف الممرات البديلة نحو المتوسط اعتماد المنطقة على هرمز وتُقلّص ورقة الاختناق الإيرانية.

الهدف الاستراتيجي

نهاية الحرب راحةٌ احتاجتها المنطقة، لكنّ الراحة ليست استراتيجية. وبنية مذكرة التفاهم — مكاسب إيرانية فورية مقابل تنازلاتٍ مؤجَّلة وغير مؤكدة — تنطوي على خطر أن تنتج بالضبط ما ينبغي للعرب أن يحذروه: إيران استعادت مواردها واحتفظت بشبكتها وأظهرت استعداداً لإعادة التفاوض من موقع القوة. وتهديد فرض الرسوم على هرمز هو الإنذار المبكر.

تملك الدول العربية أوراق ضغطٍ حقيقية: على تمويل الإعمار، وعلى ضمانات الملاحة التي يعتمد عليها الاقتصاد الإيراني، وعلى الشرعية التي يحتاجها أيّ نظامٍ إقليميّ دائم. ومهمة الأسابيع المقبلة أن تُحوَّل هذه الأوراق إلى التزاماتٍ مُلزِمة قبل أن تُحوِّل طهرانُ الأكثرُ جرأةً غموضَ هذه المذكرة إلى بنيةِ العقد المقبل. فالتقاعس اليوم يعني التفاوض من موقع ضعفٍ غداً. والنافذة قصيرة، لكنها ما تزال مفتوحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *