
بعد حرب إيران: لماذا دخل المشرق العربي لحظة مفصلية لإعادة تعريف أمنها الاستراتيجي؟

مع انكشاف مشهد الحرب، وجد المشرق العربي نفسه أمام تداعيات أمنية مباشرة وعميقة لم تعد قابلة للاحتواء ضمن أدوات التفكير التقليدية التي حكمت أمن الخليج لعقود. فمنذ الساعات الأولى للضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، تهاوت سريعًا صورة الخليج بوصفه واحة استقرار اقتصادي وأمني، ومنطقة محصّنة ضد الارتدادات الكبرى التي طالما ضربت الإقليم في محيطه العربي الأوسع.
الصورة التي رُسمت لعقود عن الخليج باعتباره فضاءً آمنًا، مستقرًا، قابلًا للتنبؤ، ومحصنًا بثقل اقتصادي وسياسي وعسكري استثنائي، اهتزت خلال ساعات. لم يعد الحديث فقط عن مواجهة عسكرية بعيدة جغرافيًا، بل عن مخاوف فورية طالت جوهر الحياة اليومية والاقتصادية في دول الخليج: احتمالات تعطّل إمدادات الطاقة، اضطراب سلاسل التوريد، تهديد الموانئ والمطارات، احتمال استهداف منشآت النفط والغاز، بل وحتى محطات تحلية المياه التي تمثل عصب البقاء اليومي لدول المنطقة.
في تلك اللحظة، لم يكن الخطر نظريًا، بل بدا أن البنية التي قامت عليها فكرة “الخليج الآمن” أصبحت فجأة معرضة لهشاشة غير مسبوقة. فاقتصادات بُنيت على الثقة العالمية، وعلى صورة الاستقرار الطويل، دخلت فورًا في وضع إدارة أزمة، لأن أي حرب واسعة مع إيران تعني عمليًا أن الخليج كله يدخل قلب المعادلة، لا هامشها.
لكن ما كشفته الحرب يتجاوز الخطر العسكري المباشر؛ إذ أظهرت بوضوح أن الافتراضات التي حكمت الأمن الخليجي خلال العقود الأربعة الماضية تستدعي مراجعة جذرية.
فعلى مدى عقود، بنت دول الخليج علاقتها الأمنية مع الولايات المتحدة على أساس استراتيجي واضح: استثمارات دفاعية هائلة، قواعد عسكرية، شراكات استخباراتية، منظومات تسليح متقدمة، تنسيق عملياتي ممتد، واعتماد شبه كامل على المظلة الأمريكية باعتبارها الضامن النهائي للأمن عند اللحظات الحرجة.
غير أن الحرب الأخيرة طرحت سؤالًا بالغ الحساسية:
حين اندلعت المواجهة، هل كان أمن الخليج في صدارة الأولوية الأمريكية؟
الوقائع أوحت بعكس ذلك.
ففي اللحظة التي كانت فيها المنطقة بأكملها تتجه نحو احتمالات انفجار واسع، بدا واضحًا أن القرار الأمريكي تحكمه أولويات مرتبطة مباشرة بالأجندة الإسرائيلية، حتى وإن كان ذلك يعني تعريض الخليج والعالم لتداعيات اقتصادية وأمنية جسيمة. لم تستطع واشنطن كبح المسار التصعيدي، ولم تمارس ضغطًا كافيًا لمنع الذهاب إلى مواجهة كانت نتائجها المتوقعة معروفة مسبقًا.
الأهم من ذلك أن هذه الحرب كشفت محدودية عملية لا يمكن تجاهلها: حتى المنظومات الدفاعية الأمريكية نفسها ليست بلا سقف.
في الحروب الممتدة، تصبح مسألة الإمداد وإعادة التذخير عاملًا حاسمًا. الاعتراض الصاروخي مكلف، والمخزون ليس غير محدود، وسلاسل التوريد الدفاعية تواجه اختبارات قاسية عند استمرار القتال.
ومن هنا يبرز السؤال الاستراتيجي الذي لم يعد ممكنًا تأجيله:
إذا تعرض الخليج لهجوم إيراني واسع ومباشر بالتزامن مع تعرض إسرائيل لهجمات مشابهة، فأي جبهة ستحظى بالأولوية في الإمداد الدفاعي الأمريكي؟ هل ستذهب القدرات الاعتراضية والذخائر ومنظومات الدعم أولًا إلى إسرائيل أم إلى العواصم الخليجية؟
هذا السؤال لم يعد افتراضًا سياسيًا، بل تحول إلى معطى استراتيجي يجب أن يُبنى عليه التفكير الدفاعي القادم.
في المقابل، أظهرت الحرب أيضًا أن إيران، رغم ما تعرضت له، لم تخرج استراتيجيًا من المعادلة. صحيح أنها تلقت ضربات موجعة، لكن قدرتها على فرض التهديد، وإبقاء المنطقة في حالة قلق، وتهديد الممرات الحيوية، بقيت قائمة بما يكفي لإنتاج انطباع سياسي إقليمي بأنها ما زالت قادرة على الصمود، بل إن هذا الانطباع قد يدفعها إلى مزيد من الجرأة مستقبلًا.
وفي الجهة الأخرى، تبدو إسرائيل، من منظور عربي، أكثر اندفاعًا وأقل قابلية للضبط السياسي، وأكثر استعدادًا لفرض وقائع عسكرية حتى لو كان ثمنها تدمير ما تبقى من استقرار إقليمي.
لهذا، فإن اللحظة الحالية ليست مجرد أزمة عابرة، بل نقطة تحول في العقيدة الدفاعية للمشرق العربي.
أولًا: إعادة معايرة العلاقات الدفاعية خارج الاحتكار الأمريكي
المطلوب ليس فك الارتباط مع واشنطن، بل كسر الاحتكار.
الكتلة الخليجية بحاجة إلى تنويع استراتيجي حقيقي في الشراكات الدفاعية، يتجه بوضوح نحو أوروبا وتركيا وباكستان، خصوصًا في مجال الدفاعات الجوية والصاروخية.
التركيز يجب أن يكون على بناء برامج مشتركة عربية–تركية–باكستانية لتطوير:
- أنظمة اعتراض منخفضة الكلفة
- رادارات متقدمة متعددة الطبقات
- دفاعات ضد المسيّرات والهجمات غير المتناظرة
- إنتاج مشترك لمنظومات الدفاع بدل الاكتفاء بالشراء
فالحرب الأخيرة أكدت أن شراء المنظومات وحده لا يكفي إذا لم يترافق مع قدرة إنتاجية وتطويرية مستقلة.
ثانيًا: التحول من هيمنة الطيران المأهول إلى القوة الجوية غير المأهولة
لا يزال جزء كبير من التفكير العسكري الخليجي قائمًا على الطائرات المقاتلة المأهولة مرتفعة الكلفة.
لكن التهديدات الجديدة تختلف.
فحماية آلاف الكيلومترات من المنشآت النفطية والموانئ والمطارات ومحطات الكهرباء والتحلية تحتاج إلى قدرة تشغيلية كثيفة، وهو ما يصطدم مباشرة بندرة العنصر البشري العسكري في الخليج.
لهذا يصبح الاتجاه نحو الطائرات غير المأهولة القتالية ضرورة لا خيارًا:
- مسيّرات هجومية
- مسيّرات اعتراض
- أسراب استطلاع دائم
- منصات استجابة سريعة منخفضة الكلفة
وهنا يبرز النموذج التركي والباكستاني باعتباره الأقرب واقعية من حيث الخبرة والكلفة والقدرة على الشراكة.
ثالثًا: بناء نواة قوة دفاع مشتركة خليجية–مصرية–مشرقية
أحد أكبر التحديات البنيوية في الخليج هو محدودية الكتلة البشرية العسكرية مقارنة بحجم المنشآت المطلوب حمايتها.
حتى القدرات السعودية، رغم حجمها، لا تكفي وحدها لتغطية متطلبات الردع الإقليمي طويل الأمد.
لهذا يصبح من الضروري التفكير في نواة قوة دفاع مشتركة تضم:
- الخليج
- مصر
- عناصر مختارة من المشرق العربي
ليس كإطار رمزي، بل كقوة عملية متخصصة في:
- حماية المنشآت الاستراتيجية
- الدفاع ضد الصواريخ
- الانتشار السريع
- حماية العمق الحيوي
رابعًا: بناء قوة بحرية عربية–أوروبية لحماية المضائق الثلاثة
الأمن العربي الحديث يمر عبر ثلاثة شرايين بحرية:
- هرمز
- باب المندب
- السويس
وأي تهديد لهذه الممرات يعني تهديدًا مباشرًا للاقتصاد العالمي، لا العربي فقط.
لكن القدرات البحرية العربية لا تزال دون مستوى التحدي.
المطلوب هو إطار بحري عربي–أوروبي مشترك يركز على:
- حماية الملاحة
- مرافقة الناقلات
- إزالة الألغام
- الدفاع ضد المسيّرات البحرية
- حماية البنية التحتية تحت سطح البحر
خامسًا: الدفاع الجديد يجب أن يرتبط بأجندة جيوسياسية أوسع
التحول الدفاعي وحده لا يكفي.
فالمشرق العربي مطالبة أيضًا – كما طُرح سابقًا – ببناء امتداد جيوسياسي نشط نحو:
- آسيا الوسطى الإسلامية
- الجمهوريات السوفيتية السابقة
- أفغانستان
- شراكات أعمق مع تركيا وباكستان
والهدف ليس فقط احتواء إيران الضعيفة، بل منع عودتها مستقبلًا كمركز طموح إقليمي قادر على إعادة إنتاج التهديد.
ما حدث ليس مجرد حرب.
إنه لحظة كشفت أن الأمن لم يعد يُشترى فقط، بل يُعاد تصميمه.والسؤال الحقيقي اليوم ليس كيف انتهت هذه الحرب، بل ماذا سيفعل المشرق العربي قبل الحرب التالية لأن ما سقط في هذه المواجهة لم يكن فقط صواريخ واعتراضات، بل سقطت أيضًا فرضيات كاملة حكمت الأمن الإقليمي لعقود.
