Twitter
Linkedin

من المساعدات إلى الاستثمار: إعادة التفكير في تنمية الدول الهشّة

لماذا لم تعد المعالجات الإنسانية كافية دون حلول اقتصادية مستدامة

منذ عقود، تعامل العالم مع الدول الهشّة بوصفها “ملفًا إنسانيًا” قبل أي شيء آخر: غذاء عاجل، خيام، أدوية، مساعدات نقدية، وبرامج طارئة تُدار بمنطق الإغاثة. هذا النهج أنقذ أرواحًا بلا شك، وهو واجب أخلاقي لا يُستغنى عنه عندما تنهار الخدمات وتُغلق المستشفيات ويصبح الجوع واقعًا يوميًا. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الإغاثة إلى “نموذج تنموي دائم” بدل أن تكون جسرًا مؤقتًا نحو التعافي. عندها تُصبح الدول الهشّة في حلقة مغلقة: أزمة تُنتج تمويلًا إنسانيًا، وتمويلٌ إنساني يُسكن الأعراض دون علاج المرض، فيعود الانهيار بشكل أكثر عنفًا.

الفكرة ليست في مهاجمة العمل الإنساني، بل في الاعتراف بأنه وحده لم يعد كافيًا. فالهشاشة ليست فقط نقصًا في الغذاء أو الدواء؛ إنها خلل اقتصادي–مؤسسي مزمن: دولة ضعيفة الإيرادات، قطاع خاص مشلول، فرص عمل متبخرة، عملة متقلبة، منظومة عدالة غير موثوقة، وبيئة أعمال تُعاقب المخاطرة بدل أن تكافئها. حينها تصبح المساعدات مثل “الأكسجين” لمريض يحتاج إلى عملية جراحية وإعادة تأهيل طويلة: إذا توقف الأكسجين يموت، وإذا بقي وحده دون علاج يبقى على جهاز التنفس إلى الأبد.

لماذا تصل الإغاثة إلى سقفها؟

لأن الإغاثة تُصمم عادةً لتقليل الألم السريع، لا لبناء الاقتصاد. وهي تعمل ضمن دورات تمويل قصيرة، ومعايير استجابة عاجلة، وضرورات محاسبية تُفضّل الإنفاق السهل القياس على الاستثمار طويل الأجل. في الدولة الهشّة، تصبح أكبر “سوق” هي سوق المنظمات: وظائفها، مشترياتها، ومقاولاتها. ومع الوقت، تنشأ تشوهات خطرة:

  • إزاحة الدولة بدل تقويتها: تُقدم الخدمات عبر قنوات موازية تُضعف شرعية المؤسسات العامة وتمنع تراكم الخبرة داخلها.
  • قتل الحوافز الإنتاجية: عندما يختل السوق بسبب تدفقات مجانية أو شبه مجانية، ينهار المنتج المحلي أمام السلع المدعومة أو المجانية.
  • تثبيت اقتصاد الأزمة: يتوسع التشغيل في “قطاع الإغاثة” بينما يبقى القطاع الخاص الحقيقي محاصرًا بالفساد، واللايقين، وانعدام التمويل.
  • غياب العقد الاجتماعي: المواطن يرى المساعدات تأتي من الخارج، لا من دولة تجمع الإيرادات وتقدم الخدمات؛ فتتآكل الثقة ويستمر الانقسام.

باختصار: الإغاثة تُطفئ الحرائق، لكنها لا تُعيد بناء البيت، ولا تمنع الحريق القادم.

المعضلة السياسية للاقتصاد في الدول الهشّة

التحول من المساعدات إلى الاستثمار ليس مجرد قرار تقني؛ إنه صراع مصالح. في كثير من الدول الهشّة، تستفيد شبكات نفوذ من اقتصاد الحرب، والتهريب، والتحويلات غير الرسمية، والاحتكارات. أي إصلاح يفتح السوق ويكسر الاحتكار سيواجه مقاومة. كذلك، كثير من المانحين يفضّلون التعامل مع “مشاريع” بدل التعامل مع “سياسات” لأن السياسة مُكلفة، معقدة، وتحتاج صبرًا طويلًا. والنتيجة هي تجنب الجذر: بناء اقتصاد قادر على خلق وظائف، وخلق إيرادات محلية، وتحويل المساعدات إلى رافعة وليس بديلًا.

ما المقصود بالانتقال إلى الاستثمار؟

الاستثمار هنا لا يعني بالضرورة دخول شركات كبرى فقط، ولا يعني خصخصة عشوائية، ولا يعني تجاهل الفقراء. المقصود هو بناء مسار اقتصادي قابل للحياة يخلق ثلاثة أشياء لا تستطيع الإغاثة توفيرها وحدها:

  1. وظائف منتظمة تُعيد للناس معنى الاستقرار.
  2. إيرادات محلية تسمح للدولة بتقديم خدمات دون الاعتماد الدائم على الخارج.
  3. ثقة تدريجية عبر قواعد واضحة وتعاقد اجتماعي جديد.

هذا الانتقال يتطلب إعادة ترتيب الأولويات: بدلاً من سؤال “كم سلة غذائية وزعنا؟” يصبح السؤال “كم وظيفة استدامية خلقنا؟ كم شركة محلية بقيت في السوق بعد عامين؟ كم زيادة في الإيرادات غير النفطية/غير الريعية؟”.

كيف نُحوّل التمويل من الإغاثة إلى رافعة اقتصادية؟

هناك أدوات عملية يمكن أن تبدأ من الغد، إذا اتفق الفاعلون على تغيير قواعد اللعبة:

1) التمويل المُختلط (Blended Finance) لتقليل المخاطر

في الدول الهشّة، المستثمر لا يخاف فقط من الخسارة التجارية، بل من المخاطر السياسية والقانونية وسلاسل الإمداد. التمويل المُختلط يسمح باستخدام جزء من التمويل العام/المانح كضمانات، أو تأمين مخاطر، أو تمويل أول خسارة، بما يجذب رأس المال الخاص. الفكرة: بدل أن تُنفق المنحة مرة واحدة على استهلاك، تُستخدم لجذب مضاعفاتها في استثمار منتج.

2) الاستثمار في البنية الأساسية ذات العائد الاجتماعي والاقتصادي

الكهرباء، المياه، الاتصالات، الطرق، واللوجستيات ليست “ترفًا تنمويًا”، بل شرط لقيام أي اقتصاد. كثير من الدول الهشّة تُهزم اقتصاديًا بسبب انقطاع الكهرباء أكثر من أي سبب آخر. مشاريع صغيرة–متوسطة في الطاقة اللامركزية (مثل حلول الطاقة الشمسية المصغرة) يمكن أن تغيّر حياة المدن والقرى لأنها تُعيد تشغيل الورش والمزارع والعيادات.

3) تمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة بدلاً من اقتصاد المقاولات

بدلاً من أن تكون العقود الكبرى حكرًا على شبكات ضيقة، يمكن توجيه المشتريات العامة ومشتريات المنظمات الدولية نحو الشركات المحلية وفق معايير شفافة، مع برامج ضمان قروض، وتسهيلات رأس مال عامل. هذا وحده يحول الإغاثة من “استهلاك” إلى “سوق منتج” ينمو داخليًا.

4) إصلاحات سريعة التركيز: ثلاث بوابات لا غنى عنها

  • بوابة الدفع والتحويلات: تحديث أنظمة الدفع الرقمي يقلل الفساد، يوسع الشمول المالي، ويفتح الباب للائتمان.
  • بوابة التراخيص والضرائب المبسطة: نافذة واحدة، رسوم واضحة، وإلغاء التعقيد الذي يحول المستثمر إلى “مجرم محتمل”.
  • بوابة القضاء التجاري والتحكيم: أي مستثمر محلي أو خارجي يحتاج ضمانًا بسيطًا: إذا اختلفنا، هناك مسار عادل وسريع.

5) ربط المساعدات بسوق العمل لا فقط بالاستهلاك

التحويلات النقدية يمكن أن تُصمم بحيث تُحفّز التدريب، التوظيف، والعمل المجتمعي مقابل أجر، أو دعم الأجور للشركات التي توظّف محليًا. الهدف ليس “معاقبة الفقير”، بل تحويل الدعم إلى مسار إنتاجي يمنح الناس كرامة ودخلًا مستمرًا.

6) دور الجاليات ورأس المال الوطني المغترب

في كثير من الدول الهشّة، رأس المال الأكبر موجود في الخارج: تحويلات المغتربين، خبراتهم، وشبكاتهم. المطلوب أدوات آمنة: سندات جاليات، صناديق استثمار صغيرة، منصات شفافة تضمن أن المال لا يضيع في الفساد. المغترب يريد أن يستثمر، لكنه يحتاج ثقة وآلية.

من يقود هذا التحول؟

لا يمكن تركه للمانحين وحدهم، ولا للقطاع الخاص وحده. المطلوب عقد شراكة جديد:

  • الدولة تضمن القواعد والشفافية وتعيد بناء الإيرادات والخدمات الأساسية.
  • المانحون يتحولون من “ممولين لمشاريع” إلى “ممولين لقدرة اقتصادية” عبر ضمانات ودمج التمويل.
  • القطاع الخاص المحلي يصبح الشريك الأساسي لا المتلقي الهامشي.
  • المؤسسات الإقليمية (صناديق تنموية وبنوك تنمية) تلعب دورًا حاسمًا لأنها قادرة على التمويل طويل الأجل وبناء الثقة.

الخلاصة: لا إنسانية بلا اقتصاد

الدولة الهشّة ليست ساحة إغاثة مفتوحة إلى الأبد؛ إنها مجتمع يريد أن يعمل ويعيش ويخطط للمستقبل. الإغاثة ضرورية، لكنها ليست مشروعًا وطنيًا. أما المشروع الوطني فهو اقتصاد يُنتج، ودولة تُنظم، ومجتمع يرى أفقًا. الانتقال من المساعدات إلى الاستثمار ليس رفاهية فكرية، بل شرط لبقاء الناس خارج حالة الطوارئ المزمنة. وعندما نفهم ذلك، سنكتشف أن أكثر سياسة “إنسانية” على المدى الطويل هي ببساطة: خلق وظيفة مستقرة، ونظام خدمات قابل للحياة، ودولة قادرة على الوقوف على قدميها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *