Twitter
Linkedin

لبنان بين الدولة والدويلة: معركة السيادة المؤجَّلة

منذ انتهاء الحرب الأهلية، يعيش لبنان حالة سياسية شاذة يصعب تصنيفها ضمن نماذج الدول الحديثة. فهو ليس دولة فاشلة بالكامل، ولا دولة ذات سيادة مكتملة، بل كيان معلّق بين مؤسسات دستورية قائمة شكلياً، وواقع موازٍ تتحكم به “دويلة” تمتلك السلاح والقرار الاستراتيجي. هذه الازدواجية لم تعد مجرّد خلل في توازن القوى، بل تحوّلت إلى جوهر الأزمة اللبنانية، وإلى معركة سيادة مؤجَّلة، جرى تأجيلها مراراً تحت عناوين التسوية، والاستقرار، وتجنّب الانفجار.

دولة بلا احتكار للقرار… ودويلة بلا مساءلة

المعضلة الأساسية في لبنان ليست فقط وجود سلاح خارج إطار الدولة، بل ما نتج عنه من تفريغ تدريجي لمفهوم الدولة نفسه. فالدولة اللبنانية لم تعد المرجعية الحصرية في قضايا السلم والحرب، ولا صاحبة القرار في السياسة الخارجية، ولا قادرة على فرض أولوياتها الاقتصادية والأمنية. في المقابل، نشأت “دويلة” تمتلك فائض قوة، وتقرّر متى يشتبك لبنان ومتى يهدأ، وتربط مصيره بمحاور إقليمية لا يملك الشعب اللبناني أي قدرة على التأثير في حساباتها.

هذا الواقع أنتج شللاً مزدوجاً: دولة عاجزة عن الحكم، ودويلة غير معنية بالحكم. فالدولة تُحاسَب على الانهيار، بينما تُعفى القوة الفعلية من أي مسؤولية سياسية أو اقتصادية. والنتيجة كانت انهياراً شاملاً لم تعرفه البلاد حتى في سنوات الحرب.

السيادة المؤجَّلة: من منطق الاستثناء إلى الانهيار

بعد اتفاق الطائف، تمّ التعامل مع مسألة السيادة بمنطق الاستثناء المرحلي. قيل إن السلاح مؤقت، وإن الظروف الإقليمية تفرض تسويات، وإن الاستقرار أولاً. لكن المؤقت تحوّل إلى دائم، والاستثناء أصبح قاعدة. ومع كل أزمة إقليمية، كان لبنان يُساق خطوة إضافية نحو فقدان قراره الوطني، فيما تُسوَّق التسويات الداخلية كبدائل عن معالجة أصل المشكلة.

غير أن الانهيار الذي انفجر منذ عام 2019 أسقط وهم “إدارة الأزمة”. فقد تبيّن أن غياب السيادة ليس ملفاً سياسياً منفصلاً، بل أصل كل الاختلالات: من الانهيار المالي، إلى تعطّل الإصلاح، إلى عزلة لبنان عربياً ودولياً. فلا استثمار بلا استقرار، ولا استقرار بلا قرار سيادي، ولا قرار سيادي في ظل ازدواجية السلطة.

لبنان: من دولة إلى ساحة

أخطر ما في معادلة الدولة والدويلة هو تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة. فعندما يُختطف القرار السيادي، يصبح البلد منصة لتصفية الحسابات الإقليمية، لا دولة تحمي مصالح مواطنيها. وحين تُدار السياسة الخارجية من خارج المؤسسات، يفقد لبنان حياده، ويُعاقَب على خيارات لم يصنعها.

وهنا، يدفع اللبنانيون كلفة مضاعفة: كلفة العيش في دولة منهارة، وكلفة الانخراط القسري في صراعات أكبر منهم. من العقوبات، إلى تراجع الدعم العربي، إلى العزلة الدبلوماسية، كل ذلك كان نتيجة مباشرة لتحويل لبنان من دولة ذات خصوصية، إلى ورقة في صراعات المحاور.

الانقسام الحقيقي: الدولة أم الدويلة؟

الانقسام اللبناني اليوم لم يعد طائفياً بالمعنى التقليدي، بل أصبح انقساماً حول مفهوم الدولة. فريق يرى في الدولة المرجعية النهائية، وفريق يرى في الدويلة “ضمانة” في عالم مضطرب. لكن التجربة أثبتت أن هذا الرهان لم يحمِ لبنان، بل قاده إلى انهيار غير مسبوق، وجرّ الطوائف نفسها إلى عزلة وخسائر استراتيجية.

فالسلاح الذي قُدِّم كأداة حماية، تحوّل إلى عائق أمام قيام الدولة، وإلى مبرر لتعطيل المؤسسات، وإلى عامل استنزاف سياسي واقتصادي وأمني.

ما الذي يمكن – ويجب – أن تفعله الدول العربية؟

هنا، تبرز مسؤولية الدول العربية، ليس من باب الوصاية، بل من باب الشراكة في الاستقرار. فلبنان جزء من الأمن العربي، وأي فوضى فيه ستبقى عامل عدم استقرار إقليمي.

الاستراتيجية العربية المطلوبة تجاه لبنان يجب أن تقوم على ثلاثة مسارات متوازية:

أولاً: دعم الدولة لا التسويات الهشّة.

على الدول العربية أن تنقل دعمها من منطق “إدارة الأزمة” إلى منطق “استعادة الدولة”. أي ربط أي دعم سياسي أو اقتصادي بوضوح مرجعية الدولة، وبإعادة الاعتبار لمؤسساتها، لا بتكريس الأمر الواقع.

ثانياً: تحييد لبنان عن صراعات المحاور.

ليس المطلوب من لبنان أن يكون رأس حربة في أي محور، بل دولة عربية ذات خصوصية، قادرة على لعب دور توافقي. وعلى العرب أن يدعموا هذا الخيار، سياسياً ودبلوماسياً، في مواجهة محاولات تحويل لبنان إلى ساحة صراع دائمة.

ثالثاً: ربط الإنقاذ الاقتصادي بالسيادة.

أي خطة إنقاذ حقيقية للبنان يجب أن تنطلق من أن الاقتصاد والسيادة وجهان لعملة واحدة. فلا مساعدات بلا إصلاح سياسي، ولا استثمارات بلا وضوح في القرار الأمني والاستراتيجي.

السيادة معركة سياسية… لا عسكرية

معركة السيادة في لبنان ليست حرباً أهلية جديدة، ولا مواجهة عسكرية، بل معركة سياسية طويلة النفس، عنوانها إعادة بناء العقد الوطني. عقد يقوم على حصرية السلاح بيد الدولة، وعلى إعادة تعريف دور لبنان عربياً، وعلى إنهاء منطق الدويلات المتنازعة داخل الكيان الواحد.

الخلاصة: السيادة شرط النجاة

لبنان اليوم أمام خيار وجودي: إما الاستمرار كدولة منقوصة السيادة، معلّقة بين الشرعية والواقع، وإما خوض معركة السيادة المؤجَّلة. هذه المعركة ليست ترفاً سياسياً، بل شرط النجاة. فلا دولة بلا سيادة، ولا استقرار بلا قرار وطني، ولا مستقبل للبنان إن بقي ساحة لا دولة.

الدويلة قد تبدو قوية اليوم، لكن التاريخ يثبت أن الدول وحدها تبقى. أما تأجيل معركة السيادة، فلن ينتج سوى انهيارات متكررة، أشد قسوة، وأقل قابلية للإصلاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *