Twitter
Linkedin

العراق وعمقه العربي: الحلقة المفقودة في توازن المشرق

لماذا لا يمكن تحقيق استقرار إقليمي دون إعادة دمج العراق عربيًا

لم يكن العراق يومًا دولةً هامشية في معادلة المشرق العربي، بل كان على الدوام قلبه الجيوسياسي النابض. فمن بغداد كانت تُصاغ التوازنات، وعبر العراق كانت تمر طرق التجارة، وفي ساحته كانت تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية. ومع ذلك، يجد العراق نفسه منذ أكثر من عقدين خارج معادلة الفعل العربي، لا بفعل خيار عراقي خالص، بل نتيجة انهيارات كبرى أعقبت عام 2003، ترافقت مع انسحاب عربي صامت ترك البلاد مكشوفة أمام مشاريع نفوذ غير عربية. واليوم، ومع إعادة تشكل النظام الإقليمي، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: هل يمكن تحقيق استقرار حقيقي في المشرق من دون إعادة دمج العراق في عمقه العربي؟

الواقع يقول إن أي تصور للأمن الإقليمي يتجاوز العراق محكوم بالفشل.

العراق: مركز الجغرافيا وميزان السياسة

يشكّل العراق نقطة التقاء ثلاث دوائر استراتيجية: المشرق العربي، والخليج، والحدود مع إيران وتركيا. هذه الجغرافيا لم تكن يومًا محايدة، بل جعلت العراق لاعبًا محوريًا في ضبط التوازنات أو اختلالها. تاريخيًا، مثّل العراق عمقًا استراتيجيًا للمشرق، وسندًا سياسيًا واقتصاديًا للنظام العربي، وركيزة من ركائز التوازن الإقليمي.

لكن إخراج العراق من معادلة الفعل العربي لم يؤدِّ إلى تحييده، بل حوّله إلى ساحة صراع مفتوحة. فالفراغ لا يبقى فراغًا في السياسة، بل يُملأ سريعًا بقوى تعرف كيف تستثمر الفوضى. وهنا، لم يدفع العراق وحده ثمن هذا التحول، بل دفعه المشرق بأكمله.

الانسحاب العربي: من الحذر إلى الخطأ الاستراتيجي

بعد 2003، تعاملت كثير من العواصم العربية مع العراق باعتباره ملفًا إشكاليًا محفوفًا بالمخاطر. تفاوتت أسباب الانكفاء بين القلق الأمني، والارتباك السياسي، وعدم وضوح المشهد الداخلي. غير أن هذا الانسحاب التدريجي تحوّل، بمرور الوقت، إلى خطأ استراتيجي سمح لقوى إقليمية غير عربية بإعادة تشكيل الداخل العراقي وفق مصالحها.

غياب الحضور العربي لم يكن حيادًا، بل تخليًا. ومع كل سنة ابتعاد، كانت تتراجع فرص استعادة العراق لدوره الطبيعي، وتتعمق حالة الارتهان لمحاور خارج الإطار العربي. وهكذا، لم يعد العراق جزءًا من الحل في أزمات المشرق، بل أحد ساحات انعكاسها.

الدولة الغائبة وصعود منطق الميليشيا

أحد أخطر نتائج عزل العراق عربيًا كان إضعاف نموذج الدولة لصالح نموذج الفاعلين من غير الدول. فعندما غابت مظلة الدعم السياسي والاقتصادي العربي للدولة العراقية، تقدمت قوى مسلحة ملأت الفراغ، وفرضت معادلات موازية للسلطة، وربطت العراق بصراعات لا تخدم استقراره ولا مصالح شعبه.

هذا النموذج لم يبقَ عراقيًا صرفًا، بل امتد إلى الإقليم، وأسهم في تكريس معادلة خطيرة: دول ضعيفة، وميليشيات قوية، وحدود رخوة، وقرارات سيادية مؤجلة. من هنا، فإن إعادة دمج العراق عربيًا ليست مسألة تضامن سياسي، بل خطوة أساسية لإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة في المشرق العربي ككل.

الاقتصاد: المدخل الأكثر واقعية لإعادة الدمج

بعيدًا عن الشعارات، يشكل الاقتصاد المدخل الأكثر فعالية لإعادة العراق إلى محيطه العربي. فالعراق يمتلك موارد هائلة، لكنه يفتقر إلى نموذج تنموي متكامل يحرره من الريع النفطي ويعيد ربطه بجواره الطبيعي. وفي المقابل، تمتلك الدول العربية فرصًا حقيقية للاستثمار والتكامل مع العراق في مجالات الطاقة، والزراعة، والنقل، والصناعة، والخدمات.

الربط الكهربائي، وخطوط السكك الحديدية، والمناطق الصناعية المشتركة، وتكامل سلاسل التوريد، ليست مشاريع تقنية فحسب، بل أدوات سيادية تعيد توجيه بوصلة العراق نحو عمقه العربي. وكلما تعمّق هذا الترابط، تراجعت قدرة أي محور خارجي على احتكار التأثير.

الهوية العربية: استعادة طبيعية لا فرض سياسي

إعادة دمج العراق عربيًا لا تعني فرض هوية أو إقصاء مكونات، بل استعادة توازن هوياتي اختل بفعل التسييس والاستقطاب. فالعروبة في العراق ليست نقيضًا للتعدد، بل إطارًا جامعًا له. والمشكلة لم تكن يومًا في الهوية العربية، بل في استخدامها كأداة صراع بدل كونها مساحة انتماء.

العراق بحاجة إلى عروبة سياسية جديدة: عروبة مصالح، وشراكات، واحترام للخصوصيات، لا عروبة شعارات أو استقطاب أيديولوجي. وهذا يتطلب خطابًا عربيًا ناضجًا يعترف بتعقيدات الداخل العراقي، ويتعامل معها بواقعية لا بوصاية.

العراق واستقرار المشرق: معادلة لا تنفصل

لا يمكن تصور استقرار دائم في سوريا دون عراق متوازن، ولا أمن خليجي مستدام دون عراق مستقر، ولا نظام مشرقي متماسك دون عودة العراق إلى موقعه الطبيعي. فالعراق يشكّل العمق الاستراتيجي الشرقي للعالم العربي، وأي خلل فيه ينعكس مباشرة على محيطه.

كما أن إعادة دمج العراق عربيًا تفتح الباب أمام إعادة بناء منظومة أمن إقليمي قائمة على الدول لا الميليشيات، وعلى الشراكات لا المحاور، وعلى المصالح المشتركة لا الصراعات بالوكالة.

مسؤولية عربية لا تقل عن المسؤولية العراقية

صحيح أن استعادة القرار الوطني تبدأ من الداخل العراقي، لكن تجاهل البعد العربي لهذه المعادلة هو تجاهل للواقع. فالدول العربية مطالبة اليوم بالانتقال من سياسة إدارة المخاطر إلى سياسة بناء الشراكات، ومن الحضور الرمزي إلى الانخراط الاستراتيجي طويل الأمد.

العراق لا يحتاج إلى وصاية، بل إلى شراكة تحترم سيادته، وتدعم مؤسساته، وتستثمر في استقراره بوصفه استثمارًا في استقرار الإقليم بأكمله.

خاتمة: العراق… الحلقة التي لا يمكن تجاوزها

في لحظة إقليمية تعاد فيها صياغة التوازنات، يبقى العراق الحلقة المفقودة في معادلة الاستقرار المشرقي. من دونه، ستظل كل المشاريع ناقصة، وكل التفاهمات هشّة، وكل ترتيبات الأمن مؤقتة.

إعادة دمج العراق عربيًا ليست ترفًا سياسيًا ولا حنينًا تاريخيًا، بل ضرورة استراتيجية. فالعراق العربي المتوازن ليس مصلحة عراقية فحسب، بل شرط أساسي لقيام مشرق عربي مستقر، قادر على حماية نفسه وصياغة مستقبله بقراره الذاتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *