صعود القومية البراغماتية: هل يتشكل مذهب سياسي عربي جديد؟
بين الشعارات والأيديولوجيا… نحو قومية قائمة على المصالح لا الخطاب
لم تعد القومية العربية، بصيغتها الكلاسيكية التي تشكلت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، قادرة على تفسير الواقع العربي أو توجيه سلوكه السياسي. فالقومية التي بُنيت على الشعارات الكبرى، والخطاب العاطفي، والعداء المطلق للآخر، اصطدمت بحدود الواقع، وانتهت – في كثير من تجاربها – إلى أنظمة مغلقة، واقتصادات هشة، وصراعات داخلية أنهكت المجتمعات قبل أن تُنهك الخصوم.
اليوم، يبدو أن المنطقة العربية تقف على أعتاب تحوّل هادئ لكنه عميق: تحوّل من القومية الأيديولوجية إلى ما يمكن تسميته بـ القومية البراغماتية. قومية لا تتخلى عن الهوية، لكنها تعيد تعريفها. لا تنكر التاريخ، لكنها لا تُدار بعُقده. ولا ترفع الشعارات من أجل الشعارات، بل تُخضعها لحساب المصالح الوطنية والقومية الملموسة.
من “الأمة” كخطاب إلى “المصلحة” كمنهج
القومية البراغماتية لا تبدأ بسؤال: من نحن؟ بقدر ما تبدأ بسؤال: ماذا نريد؟ وكيف نصل إليه؟
هي لا تنفي الانتماء العربي، لكنها تفصل بين الانتماء كهوية ثقافية جامعة، وبين السياسة كفن إدارة المصالح.
في هذا المنطق الجديد، لم تعد الوحدة هدفًا شعاريًا مجردًا، بل نتيجة محتملة لتكامل اقتصادي، أو تشابك أمني، أو مصالح استراتيجية متبادلة. ولم تعد الصراعات تُدار على أساس “من هو العدو التاريخي”، بل على أساس: ما الذي يخدم الاستقرار والتنمية ويمنع الانهيار؟
دروس الفشل… وبداية النضج
تجارب العقود الماضية كانت قاسية بما يكفي لتفرض مراجعة عميقة.
فشل مشاريع القومية الراديكالية، وانكشاف محدودية الإسلام السياسي، وتحوّل عدد من الدول العربية إلى ساحات صراع بالوكالة، كلها عوامل دفعت النخب – حتى غير المعلنة – إلى إعادة التفكير في أدوات العمل السياسي العربي.
ما يتشكل اليوم ليس حركة جماهيرية صاخبة، بل عقل سياسي جديد داخل مراكز القرار:
- عقل يقبل بتعدد الشركاء الدوليين دون ارتهان.
- يدير العلاقات مع القوى الكبرى ببرود المصالح لا حرارة الأيديولوجيا.
- يرى في الاقتصاد، والتكنولوجيا، والاستقرار المؤسسي، أدوات سيادة لا تقل أهمية عن السلاح والخطاب.
القومية البراغماتية في الممارسة لا في التنظير
ملامح هذا التوجه تظهر بوضوح في عدد من السياسات العربية الحديثة:
- أولوية التنمية الداخلية على تصدير الثورات.
- إعادة تعريف الأمن القومي ليشمل الغذاء، والمياه، والطاقة، وسلاسل الإمداد.
- الانفتاح الانتقائي على الإقليم والعالم وفق حسابات دقيقة، لا اصطفافات عاطفية.
هذه ليست “واقعية باردة” ولا “تخلّيًا عن القضايا”، بل محاولة لإنقاذها من الخطاب الذي استهلكها دون أن يحقق لها شيئًا.
هل نحن أمام مذهب سياسي عربي جديد؟
السؤال الحقيقي ليس إن كانت القومية البراغماتية قد وُلدت رسميًا، بل إن كانت ستصمد.
نجاحها مرهون بثلاثة عوامل أساسية:
- قدرتها على بناء سردية جديدة تخاطب الشارع بصدق، دون الوقوع في فخ الشعبوية.
- تحقيق نتائج ملموسة في حياة المواطن، لأن الشرعية في هذا النموذج تُبنى بالإنجاز لا بالهتاف.
- تحويل التعاون العربي من رد فعل إلى سياسة مستدامة قائمة على المصالح المشتركة طويلة الأمد.
إنها قومية بلا ضجيج، بلا خطابات حماسية، وربما بلا أناشيد. لكنها، إن نجحت، قد تكون أول قومية عربية تُقاس نتائجها بالأرقام والمؤشرات، لا بالخطب والبيانات.
في عالم مضطرب، قد لا يكون هذا التحول مثاليًا، لكنه واقعي.
والواقعية – في هذه المرحلة من التاريخ العربي – قد تكون أكثر ثورية من أي شعار.