Twitter
Linkedin

عودة الفاعلية العربية: كيف يستعيد العرب قرارهم الاستراتيجي؟

قراءة في تحوّل المنطقة من ساحات صراع بالوكالة إلى مساحات لإعادة تعريف المصالح العربية

على مدى عقود، بدت المنطقة العربية وكأنها ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. حروب بالوكالة، استقطابات حادة، وانكفاء عربي عن صياغة القرار، مقابل صعود أدوار فاعلين غير عرب نجحوا في ملء الفراغ السياسي والأمني والاستراتيجي. إلا أن المشهد الإقليمي اليوم يشهد تحوّلاً بطيئاً ولكن عميقاً: تراجع نسبي لمنطق الصراع بالوكالة، وبداية تشكّل بيئة تسمح – لأول مرة منذ سنوات طويلة – بإعادة تعريف المصالح العربية من منظور عربي.

السؤال الجوهري لم يعد: من يهيمن على المنطقة؟ بل: هل يمتلك العرب الإرادة والأدوات لاستعادة قرارهم الاستراتيجي؟

أولاً: من الانكفاء إلى الفراغ الاستراتيجي

لم يكن تراجع الفاعلية العربية حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة تراكمات طويلة: تفكك النظام الإقليمي العربي، غياب الرؤية المشتركة، تضارب الأولويات الوطنية، وضعف الأطر المؤسسية القادرة على إدارة الخلافات. هذا الانكفاء خلق فراغاً استراتيجياً سرعان ما ملأته قوى إقليمية غير عربية، استخدمت أدوات متنوعة: أيديولوجيا، ميليشيات، نفوذ اقتصادي، وحضور عسكري مباشر أو غير مباشر.

في هذا السياق، تحولت دول عربية عدة إلى ساحات صراع، لا لذاتها، بل بوصفها أدوات في معادلات أكبر. تراجعت الدولة الوطنية، وتآكل مفهوم السيادة، وغابت المصالح العربية الجامعة لصالح أجندات خارجية متنافسة.

ثانياً: ما الذي تغيّر اليوم؟

رغم استمرار الأزمات، فإن الإقليم يشهد تغيرات بنيوية لا يمكن تجاهلها:

  1. إرهاق الصراعات: معظم الأطراف – المحلية والإقليمية – وصلت إلى قناعة بأن كلفة الصراع المفتوح باتت أعلى من عوائده، سياسياً واقتصادياً وأمنياً.
  2. تراجع قدرة الفاعلين غير العرب على الاستثمار في الفوضى: سواء بسبب ضغوط داخلية، أو تغير في أولويات القوى الكبرى، أو تحولات اقتصادية وأمنية عالمية.
  3. صعود منطق الدولة والتنمية: في عدد من الدول العربية، باتت الأولوية للاستقرار، التنمية، وجذب الاستثمار، ما يتطلب بيئة إقليمية أقل اضطراباً.
  4. إعادة الاعتبار للقرار العربي المستقل: ليس كشعار أيديولوجي، بل كضرورة عملية لإدارة المصالح الوطنية في عالم شديد التنافس.

هذه التحولات لا تعني نهاية الصراعات، لكنها تفتح نافذة تاريخية لإعادة التموضع العربي.

ثالثاً: استعادة الفاعلية… ماذا تعني عملياً؟

استعادة القرار الاستراتيجي العربي لا تعني بالضرورة مواجهة مع الخارج، ولا العودة إلى شعارات وحدوية غير واقعية. بل تعني ثلاثة أمور أساسية:

  1. تعريف المصالح العربية بوضوح

     لا يمكن بناء سياسة عربية فاعلة دون توافق – ولو بالحد الأدنى – على ما هي المصالح الحيوية المشتركة: أمن الإقليم، استقرار الدول الوطنية، منع تفكك المجتمعات، وضمان التنمية الاقتصادية المستدامة.

  2. الانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل الاستباقي

     لعقود، كانت السياسات العربية في معظمها ردّات فعل على أزمات تُصنع خارج الإقليم أو على أطرافه. الفاعلية تعني المبادرة: طرح حلول، إطلاق مسارات سياسية، وبناء شراكات إقليمية ودولية من موقع الندّية.

  3. امتلاك أدوات التأثير

     القرار الاستراتيجي لا يُستعاد بالخطاب فقط، بل بالأدوات:

     – أدوات سياسية ودبلوماسية منسقة

     – أدوات اقتصادية واستثمارية ذكية

     – أدوات أمنية قائمة على بناء الدولة لا الميليشيا

     – وأدوات معرفية وإعلامية تعيد صياغة السردية العربية

رابعاً: من ساحات صراع إلى مساحات مصالح

أحد أهم مؤشرات التحول الجاري هو تغير المقاربة تجاه الدول التي كانت تُختزل سابقاً كساحات صراع. العراق، سوريا، لبنان، وحتى فلسطين، لم تعد مجرد ملفات أمنية، بل بات يُنظر إليها – أو يجب أن يُنظر إليها – كمساحات لإعادة بناء الدولة، وإعادة دمجها في محيطها العربي.

هذا التحول يتطلب شجاعة سياسية، واستثماراً طويل الأمد، وصبراً استراتيجياً. فإعادة الدول إلى محيطها العربي لا تتم عبر بيانات سياسية، بل عبر برامج اقتصادية، شراكات تنموية، ودعم حقيقي لمؤسسات الدولة.

خامساً: التحدي الأكبر… العقل السياسي العربي

ربما لا يكمن التحدي الحقيقي في الخارج، بل في الداخل العربي نفسه. فاستعادة الفاعلية تتطلب تحولاً في العقل السياسي العربي من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء الاستراتيجيات. من التفكير القصير الأمد إلى الرؤية بعيدة المدى. ومن التعامل مع الإقليم كساحة تهديد، إلى اعتباره مجالاً حيوياً للمصالح المشتركة.

كما تتطلب شراكة حقيقية بين الدولة والنخب الفكرية، ومراكز الأبحاث، والقطاع الخاص، لإنتاج معرفة استراتيجية عربية قادرة على المنافسة في عالم تحكمه الأفكار قبل القوة.

خاتمة: فرصة تاريخية لا تحتمل الإهدار

المنطقة العربية تقف اليوم عند مفترق طرق. إما أن تستمر كمساحة تُدار من الخارج، أو أن تتحول إلى فاعل يعيد تعريف قواعد اللعبة. التحولات الجارية تمنح العرب فرصة نادرة لاستعادة القرار الاستراتيجي، لكن هذه الفرصة ليست مفتوحة إلى الأبد.

الفاعلية العربية لن تُمنح، بل تُنتزع عبر رؤية، وإرادة، وعمل تراكمي طويل. والسؤال الحقيقي ليس هل يستطيع العرب استعادة قرارهم؟ بل: هل يملكون الجرأة على ذلك، هذه المرة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *