من “المقاومة” إلى الانهيار: لماذا فشلت الميليشيات في حماية القضايا العربية؟
تقييم موضوعي لتجربة الفاعلين غير الدولتيين وكلفتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية
مقدمة: بين شرعية القضية وارتباك الأداة
لم تظهر الميليشيات والفاعلون غير الدولتيين في الفراغ. فقد نشأت في سياقات احتلال، وقمع، وفشل للدولة الوطنية في حماية أراضيها أو تمثيل شعوبها. ورفعت منذ البداية شعار “المقاومة” بوصفه ردًا أخلاقيًا وسياسيًا على هذا الفشل. غير أن التجربة، بعد عقود من التمدد والتجذر، تفرض مراجعة هادئة: هل كانت الميليشيات أداة فعّالة لحماية القضايا العربية، أم أنها تحولت إلى عبء استراتيجي كلف العرب دولًا منهكة ومجتمعات ممزقة؟
أولًا: المعضلة السياسية – قرار خارج الدولة وسيادة منقوصة
أكبر إشكالية في تجربة الفاعلين غير الدولتيين تكمن في موقعهم من الدولة. فالميليشيا، بحكم تعريفها، كيان مسلح يعمل خارج الإطار المؤسسي، ولا يخضع لمساءلة وطنية جامعة. ومع مرور الوقت، لم تعد هذه التنظيمات أدوات ضغط مرحلية، بل تحولت إلى مراكز قرار مستقلة، تمتلك القدرة على إشعال الحروب أو تعطيل التسويات دون تفويض شعبي أو دستوري.
هذا الواقع أدى إلى تآكل مفهوم السيادة في أكثر من دولة عربية، حيث بات القرار الاستراتيجي—خاصة في ملفات الحرب والسلم—مرتهنًا لحسابات تنظيمية أو إقليمية تتجاوز المصلحة الوطنية. والأسوأ أن بعض هذه الميليشيات اندمج عمليًا في صراعات بالوكالة، فتحولت “القضية” من هدف بحد ذاته إلى ورقة تفاوض في صراع نفوذ إقليمي ودولي.
ثانيًا: الكلفة الاقتصادية – اقتصاديات الصراع بدل التنمية
اقتصاديًا، دفعت الدول التي ترسخت فيها الميليشيات ثمنًا باهظًا. فوجود قوة مسلحة خارج سيطرة الدولة يعني بيئة دائمة من عدم اليقين، وهروبًا للاستثمار، وتراجعًا في الإنتاج، وتوجيهًا للموارد نحو الأمن بدل التنمية. ومع الزمن، تشكلت “اقتصادات ظل” مرتبطة بالسلاح والتهريب والتمويل غير المشروع، ما زاد من هشاشة الاقتصاد الرسمي وأضعف قدرة الدولة على التخطيط والإصلاح.
النتيجة كانت واضحة: بنى تحتية مدمّرة، عملات منهارة، بطالة مرتفعة، وتآكل الطبقة الوسطى. وفي هذا السياق، لم تعد “المقاومة” مشروعًا لتحرير الأرض بقدر ما أصبحت عامل استنزاف دائم للدولة والمجتمع، يُبقي البلد في حالة طوارئ مفتوحة بلا أفق اقتصادي.
ثالثًا: الأثر الاجتماعي – من المواطنة إلى الولاء المسلح
على المستوى الاجتماعي، تركت الميليشيات آثارًا عميقة وطويلة الأمد. فحين يصبح السلاح مصدر الشرعية، تتراجع المواطنة لصالح الولاء التنظيمي أو الطائفي. ينكفئ القانون، وتتآكل الثقة بالمؤسسات، ويُعاد تشكيل المجتمع وفق منطق “معنا أو ضدنا”.
هذا التحول لا يُنتج فقط انقسامًا اجتماعيًا، بل يخلق أجيالًا ترى في العنف وسيلة طبيعية لتحقيق الأهداف السياسية. ومع الوقت، تتحول الدولة من إطار جامع إلى ساحة تنازع، ويتحول الاستثناء الأمني إلى قاعدة دائمة، ما يضعف النسيج الوطني ويجعل أي مشروع إصلاحي لاحق أكثر صعوبة.
رابعًا: القضية الفلسطينية – مركزية دولية بثمن إنساني واستراتيجي فادح
فيما يخص القضية الفلسطينية، من الضروري قدر من الدقة. فهجوم 7 أكتوبر أعاد فلسطين إلى صدارة المشهد الدولي بعد سنوات من التهميش، وفرضها مجددًا على الأجندة السياسية والإعلامية العالمية. لكن هذه المركزية جاءت بثمن كارثي: تدمير شبه كامل لغزة، خسائر بشرية هائلة، وانهيار إنساني غير مسبوق.
الأهم أن ما تلا ذلك لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل بداية تشكّل واقع جديد لإدارة القطاع، بترتيبات أمنية وسياسية تُناقَش خارج الإرادة الفلسطينية الجامعة. بمعنى آخر، نجح الحدث في كسر الصمت الدولي، لكنه فشل في حماية المجتمع الفلسطيني أو منع فرض نظام جديد يُدار من الخارج، ما يطرح سؤالًا صعبًا حول جدوى الأداة مقارنة بحجم الكلفة والنتائج.
خامسًا: المأزق الاستراتيجي – شجاعة تكتيكية وفشل طويل الأمد
لا يمكن إنكار ما أظهرته بعض هذه التنظيمات من قدرة على الصمود أو المبادرة العسكرية، لكن الشجاعة التكتيكية لا تُعادل بالضرورة نجاحًا استراتيجيًا. فالصراعات الحديثة لا تُحسم بالسلاح وحده، بل بمراكمة سياسية واقتصادية وقانونية ودبلوماسية. وفي هذا المجال، أخفقت الميليشيات في تحويل “الإنجاز الميداني” إلى مكسب دائم، بل غالبًا ما أعقبته خسائر أكبر على مستوى الدولة والمجتمع.
خاتمة: نحو استعادة الدولة لا تجاوزها
الخلاصة أن فشل الميليشيات لم يكن فشل نوايا بقدر ما كان فشل نموذج. فالقضايا العربية العادلة لا تُحمى عبر إضعاف الدول، ولا عبر نقل القرار الاستراتيجي إلى فاعلين غير خاضعين للمساءلة. التجربة أثبتت أن غياب الدولة لا يُعالج بمزيد من التفكك، بل بإعادة بناء دولة قادرة، ذات شرعية، ومؤسسات فاعلة.
المستقبل العربي يتطلب انتقالًا من “مقاومة خارج الدولة” إلى “قدرة داخل الدولة”: دولة تمتلك قرارها، وتدير صراعاتها بعقلانية، وتدافع عن قضاياها بأدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية متكاملة. وحدها الدولة القوية—لا الميليشيا—قادرة على حماية القضايا دون تدمير الأوطان.