لماذا فشلت مشاريع التكامل الاقتصادي العربي؟ وكيف يمكن إنقاذها؟
على مدى عقود، بدا “التكامل الاقتصادي العربي” كأنه وعدٌ مؤجّل لا ينتهي: سوق عربية مشتركة في الخطابات، واتفاقيات في الأدراج، ولجان لا تتعب من إصدار التوصيات. ومع ذلك، ظلّت التجارة العربية البينية متواضعة مقارنة بحجم الاقتصاد العربي، وبقي الاستثمار المتبادل أقل من الإمكانات، واستمرت الحدود الاقتصادية—قبل السياسية—تُدار بعقلية الشكّ لا بعقلية المنفعة. المشكلة ليست في غياب الفكرة، بل في أن الاقتصاد السياسي العربي صمّم التكامل ليكون “عنواناً” لا “التزاماً”، وسمح له أن ينجح إعلامياً ويفشل مؤسسياً.
1) التكامل لم يفشل لأنه “صعب”… بل لأنه لم يُربط بالحوافز والعقوبات
التكامل الحقيقي ليس شعاراً قومياً ولا مادة إنشائية في البيانات الختامية؛ هو نقلٌ منطقـي للمصالح: من حماية محلية قصيرة الأجل إلى مكاسب إقليمية طويلة الأجل. لكن أغلب المشاريع العربية تعاملت مع التكامل كخيار “تطوعي” بلا كلفة على من يعرقله وبلا مكافأة واضحة لمن يلتزم به. حين تغيب قواعد الإنفاذ—آليات فض نزاعات فعالة، جداول زمنية ملزمة، قياس أداء، وعقوبات أو حرمان من مزايا—يتحول التكامل إلى مساحة للمناورة السياسية: الجميع يوقّع، والجميع يفسّر، والجميع يعلّق التنفيذ عند أول احتكاك بمصالح نافذة.
2) العائق الأكبر: “الاقتصاد السياسي” لا “الاقتصاد”
من السهل أن نلوم التعريفات الجمركية أو ضعف الربط اللوجستي. لكن الأعمق هو شبكة المصالح التي تستفيد من التجزئة:
- نخب حماية محلية تعيش على الامتيازات، الوكالات الحصرية، والرسوم والقيود التي تمنع المنافسة.
- بيروقراطيات تنظيمية تجد في التعقيد سبباً للوجود ومورداً للنفوذ.
- نموذج ريعي في بعض الدول يوزّع الريع مقابل الاستقرار، فيميل إلى السيطرة لا إلى تحرير الأسواق.
- تسييس الاقتصاد بحيث تُستخدم التجارة والاستثمار كأدوات ضغط، لا كأدوات تشابك تمنع الصدام.
في مثل هذا السياق، يصبح التكامل تهديداً لمنظومات توزيع المنافع القائمة، لا فرصة توسّع للجميع. لذلك تُبنى الاتفاقيات بطريقة “لا تُغضب أحداً”، أي بطريقة تضمن ألا تُغيّر شيئاً فعلياً.
3) السيادة كفزاعة: الخلط بين “تنسيق السياسات” و“التنازل عن الدولة”
كل تجربة تكامل ناجحة في العالم بدأت من حقيقة بسيطة: السيادة الاقتصادية لا تُحمى بالانغلاق، بل بالقواعد المشتركة التي تُقلّل الابتزاز وتزيد القدرة التفاوضية عالمياً. في الحالة العربية، غالباً ما جرى تصوير أي مواءمة للأنظمة والمعايير وكأنها تفريط بالقرار الوطني. والنتيجة أن الدول حافظت على حق “الاستثناء” أكثر مما حافظت على حق “المنفعة”. التكامل يحتاج سيادة ذكية: أن تضع الدولة قواعد تحمي مصلحتها عبر الاندماج، لا عبر تعطيله.
4) الأسواق ليست على الورق: الحواجز غير الجمركية قتلت الفكرة
حتى حين انخفضت الرسوم، بقيت الحواجز غير الجمركية هي القاتل الصامت: اختلاف المواصفات، تراخيص بطيئة، قيود منشأ معقّدة، إجراءات حدودية مرهِقة، ومتطلبات محلية تُدار بانتقائية. هذه “التفاصيل” هي التي تصنع التكلفة الحقيقية للتجارة. فإذا كان عبور الشاحنة يحتاج أياماً، وملفات ورقية، وتكرار فحص، ومعايير متضاربة، فإن أي حديث عن سوق مشتركة يصبح ترفاً خطابياً.
5) غياب المؤسسات الإقليمية الفاعلة: بلا أمانة قوية لا توجد سياسة عامة مشتركة
مشروع التكامل ليس تجميع اتفاقيات؛ هو حوكمة فوق-قطاعية (Supra-sectoral governance) تُنسّق وتراقب وتُصحّح. أغلب الأطر العربية افتقدت:
- أمانة عامة اقتصادية ذات صلاحيات تنفيذية وميزانية مستقلة،
- جهازاً إحصائياً ومعيارياً يوفّر البيانات المقارنة،
- محكمة/هيئة تحكيم اقتصادية فعّالة،
- وآلية متابعة تُلزم الوزارات والجهات الفنية لا وزراء الاقتصاد وحدهم.
فبقي التكامل رهينة المزاج السياسي وتبدّل الأولويات.
كيف يمكن إنقاذ التكامل؟ ليس بحلمٍ كبير… بل بخطة واقعية تُغيّر الحوافز
إنقاذ التكامل لا يبدأ بإعلان “مشروع تاريخي” جديد، بل بتغيير قواعد اللعبة: أن يصبح الاندماج مصلحة قابلة للقياس، وأن تصبح عرقلة الاندماج كلفة سياسية واقتصادية. وهذا يتطلب مقاربة براغماتية تقوم على ثلاث قواعد: (1) ابدأ بما يمكن إنفاذه، (2) اربط المنافع بالالتزام، (3) ابنِ مؤسسات متابعة لا شعارات.
1) الانتقال من “التكامل الشامل” إلى “التكامل الوظيفي”
بدلاً من محاولة توحيد كل شيء دفعة واحدة، نبدأ بقطاعات تختبر الجدية وتخلق مصالح ضاغطة لصالح الاندماج:
- التجارة العابرة للحدود والإجراءات: نافذة موحّدة، تبادل بيانات جمركية، اعتراف متبادل بالمستندات.
- المواصفات والمعايير: اعتماد مبدأ الاعتراف المتبادل في قطاعات محددة (غذاء، دواء، كهربائيات).
- الخدمات اللوجستية: ممرات تجارية عربية ذات معايير زمن عبور ملزمة ومؤشرات أداء.
- الاستثمار وحماية المنافسة: تقليل الاستثناءات، ومكافحة الاحتكار والوكالات الحصرية التي تمنع دخول الشركات العربية.
هذا “التكامل الوظيفي” يخلق نجاحات قابلة للتكرار ويُنتج لوبي مصالح اقتصادي لصالح الاستمرار، بدل ترك الملف للنخب السياسية فقط.
2) مؤسسة إنفاذ لا مؤسسة تمثيل: “مجلس اقتصادي عربي مُلزِم”
المنطقة لا تحتاج مزيداً من اللجان؛ تحتاج جهازاً يملك أدوات:
- آلية فض نزاعات سريعة (تحكيم اقتصادي ملزم بمدد زمنية قصيرة)،
- لوحة مؤشرات علنية تقيس التزام كل دولة (زمن التخليص، عدد الحواجز غير الجمركية، حجم التجارة البينية، تدفقات الاستثمار)،
- مبدأ “المزايا مقابل الالتزام”: الوصول التفضيلي للأسواق، والمناقصات، والتمويل الإقليمي، يجب أن يرتبط بمستوى الامتثال.
عندما تُصبح البيانات علنية، والامتثال شرطاً للمزايا، تتغيّر الحسابات.
3) صندوق تكامل ذكي: تعويض الخاسرين وتمويل التحول
التكامل يُنتج رابحين وخاسرين على المدى القصير. من دون أدوات تعويض، ستقاوم القطاعات المتضررة. الحل: صندوق تكامل عربي يمول:
- تحديث الجمارك والرقمنة،
- تحسين المعابر والبنية التحتية،
- برامج إعادة تأهيل القطاعات التي ستواجه منافسة،
- ودعم سلاسل قيمة عربية مشتركة (صناعات غذائية، دوائية، مكونات صناعية، طاقة متجددة).
بهذا يصبح التكامل مشروعاً اقتصادياً ملموساً، لا بنداً سياسياً.
4) تمكين القطاع الخاص… لكن بشروط حوكمة
لا يمكن بناء سوق مشتركة بقرار حكومي فقط. المطلوب:
- إشراك اتحادات الأعمال والغرف في صياغة الحواجز وإزالتها وفق بيانات فعلية،
- تشجيع شراكات الإنتاج المشترك لا مجرد التجارة،
- وإصلاح البيئة التنافسية داخلياً: لأن دولة تحمي احتكاراً محلياً لن تندمج خارجياً بشكل صحي.
5) خارطة طريق بثلاث مراحل
- خلال 12 شهراً: حصر الحواجز غير الجمركية الأكثر كلفة، إطلاق مؤشرات علنية، بدء نافذة تجارية رقمية مشتركة في مجموعة دول رائدة.
- خلال 3 سنوات: توسيع الاعتراف المتبادل بالمعايير، تشغيل ممرات تجارية، تفعيل تحكيم اقتصادي ملزم، وربط مزايا الصندوق بالالتزام.
- خلال 7–10 سنوات: انتقال تدريجي نحو سوق خدمات مختارة، ومواءمة أعمق في السياسات الصناعية وسلاسل القيمة، دون ادعاء قفزات غير واقعية.
الخلاصة: التكامل ليس “حُلماً قومياً”… بل “هندسة حوكمة”
فشل مشاريع التكامل الاقتصادي العربي لم يكن قدراً ولا نقصاً في النوايا، بل نتيجة طبيعية لغياب الحوكمة، ولتوازن مصالح يميل لمصلحة التجزئة، ولخوفٍ مبالغ فيه من تحويل السيادة إلى أداة قوة عبر الاندماج. إنقاذ التكامل يبدأ حين نكفّ عن طلب المعجزات ونبدأ ببناء الآليات: إنفاذ، شفافية، مصالح اقتصادية عابرة للحدود، وتعويضات ذكية لمن سيتألم في الطريق. عندها فقط يصبح التكامل خياراً عقلانياً لا قصيدة سياسية—ويتحول من شعارٍ جميل إلى واقعٍ يُحسَب ويُقاس ويُدافع عنه.