Twitter
Linkedin

فلسطين من قضية مركزية إلى اختبار للنظام العربي

لم تكن فلسطين يومًا مجرد ملف يُستدعى عند الأزمات، بل كانت معيارًا أخلاقيًا وسياسيًا لقياس معنى “العروبة” وقدرة النظام العربي على إنتاج موقف جماعي. لكن ما بعد حرب غزة الأخيرة—وخصوصًا مع اقتراب تشكيل آلية إدارة/إدارة دولية مؤقتة للقطاع، وطرح فكرة “قوة استقرار دولية”—نقل القضية من مربع “المركزية الرمزية” إلى مربع أكثر حساسية: فلسطين باتت اختبارًا مباشرًا للنظام العربي نفسه، لا في خطاب التضامن فقط، بل في قدرته على حماية الحد الأدنى من المصالح العربية الجماعية ومنع إعادة هندسة الإقليم من فوق رأسه.
“اليوم التالي” في غزة: إنقاذ أم وصاية جديدة؟
حين تتشكل هيئات دولية لإدارة غزة، يصبح السؤال العربي ليس: هل نرفض أم نقبل؟ بل: ما شروطنا السياسية والأمنية والقانونية كي لا تتحول الإدارة الدولية إلى صيغة “احتلال مُقنّع” أو تثبيت لانقسام جغرافي دائم بين غزة والضفة؟
قرار مجلس الأمن (2803) الذي أجاز إنشاء قوة استقرار دولية مؤقتة وآلية مدنية/إدارية في غزة يفتح نافذة—لكنها محفوفة بالمخاطر. فالآليات المؤقتة في منطقتنا كثيرًا ما تتحول إلى ترتيبات طويلة المدى إذا غابت “استراتيجية الخروج” وغياب الرافعة السياسية.
المطلوب عربيًا هنا أربع “لاءات” وأربع “نعم”:
لا لإدارة دولية بلا سقف زمني واضح وخطة انتقال مُعلنة.

لا لفصل غزة عن الضفة عمليًا عبر ترتيبات أمنية/اقتصادية مستقلة.

لا لإقصاء الفلسطينيين عن الحكم المحلي تحت ذريعة “المرحلة الانتقالية”.

لا لربط إعادة الإعمار بتسويات تفرضها القوى الكبرى دون أفق دولة فلسطينية.

في المقابل:
نعم لآلية انتقالية تُعيد بناء الأمن والخدمات بسرعة، لكن تحت ملكية سياسية فلسطينية وحاضنة عربية واضحة.

نعم لتدويل الحماية الإنسانية وإعادة الإعمار ضمن معايير شفافية—لكن بربطها بإنهاء الحرب وترتيبات سياسية وليس فقط إدارة أزمة.

نعم لدور عربي عملي داخل الهيكل الدولي (قيادة/تمويل/كوادر/رقابة)، لا دور “ممّول صامت”.

نعم لمسار سياسي مُلزم يربط غزة بالضفة ككيان واحد.

مؤتمر الدوحة المُعلن حول “قوة استقرار دولية لغزة” يثبت أن ترتيبات ما بعد الحرب تتسارع دوليًا. وإذا لم يدخل العرب هذا المسار مبكرًا وبشروط واضحة، سيدخلون لاحقًا كجهة تمويل بلا قدرة على التوجيه.
ماذا يفعل العرب مع السلطة الفلسطينية والضفة الغربية؟
الخطأ الاستراتيجي الأكبر اليوم هو التعامل مع غزة كقضية منفصلة، بينما الضفة هي ساحة الحسم الحقيقي: الاستيطان، التفكيك الجغرافي، تآكل مؤسسات الحكم، واستنزاف الشرعية الفلسطينية. خطوة إسرائيل الأخيرة بمنح “شرعية قانونية” لعدد من المستوطنات (وفق تقارير) ليست خبرًا عابرًا، بل مؤشر على تسارع واقع “الدولة الواحدة بالقوة” وتصفية إمكانية الدولة الفلسطينية على الأرض.
لذلك يجب أن يتحول الدعم العربي للسلطة من “شيك إنقاذ مالي” إلى مشروع سياسي–مؤسسي مشروط يقوم على:
إنقاذ الضفة من التفريغ السياسي

تحريك دبلوماسية عربية جماعية (لا ثنائية) لوقف خطوات الضم الزاحف ووقف شرعنة الاستيطان، عبر ضغط منسق على الشركاء الغربيين وربط التعاون الاقتصادي/الأمني بمخرجات محددة على الأرض (وقف توسع استيطاني، حماية مدنيين، فتح أفق سياسي).

إصلاح السلطة قبل توسيع صلاحياتها

 المجتمع الدولي نفسه يربط أي دور أكبر للسلطة في غزة بحزمة إصلاحات. المطلوب عربيًا: رعاية “عقد إصلاحي” للسلطة يشمل الحوكمة المالية، مكافحة الفساد، استقلال القضاء، تحديث الأجهزة الأمنية، وتجديد الشرعيات السياسية—على أن يقترن بتمويل عربي متعدد السنوات يُصرف وفق مؤشرات أداء، لا وفق ضغوط اللحظة.

إعادة تعريف وظيفة السلطة: من إدارة احتلال إلى نواة دولة

 لا معنى لإعادة تعويم السلطة إذا بقيت وظيفتها الأساسية “إدارة حياة تحت الاحتلال” دون أدوات سيادة أو أفق سياسي. الدور العربي هنا هو خلق مظلة سياسية تحمي السلطة من الابتزاز اليومي، وتمنحها شرعية مشروع دولة، لا شرعية “مقاول خدمات”.

الوحدة الفلسطينية: شرط الإدارة لا نتيجة لها
كل ترتيب دولي لغزة سيظل هشًا إن لم يُبنَ على وحدة فلسطينية قابلة للحكم. والوحدة هنا ليست شعار “المصالحة” التقليدي، بل معادلة دولة: قانون واحد، سلطة واحدة، سلاح شرعي واحد—مع انتقال مرحلي ذكي لا يصطدم بالواقع دفعة واحدة.
ما يمكن للعرب رعايته فورًا:
حكومة/لجنة تكنوقراط انتقالية مشتركة لإدارة الخدمات وإعادة الإعمار، تتعهد ببرنامج زمني لانتخابات شاملة، وتعمل تحت مظلة منظمة التحرير بعد إصلاحات تمثيلية تضمن شمولية التمثيل.

ميثاق وطني مُحدّث يحدد قواعد اللعبة: شراكة سياسية، نبذ “حروب الشرعية”، احتكام للصندوق، وتحصين القرار الوطني من التوظيف الإقليمي.

نموذج “دمج تدريجي” للأمن: إعادة بناء شرطة محلية مهنية في غزة تحت تدريب وإشراف عربي–دولي، لكن بمرجعية سياسية فلسطينية، وبخطة واضحة لانتقال الصلاحيات إلى مؤسسات فلسطينية موحدة. (هذا النوع من الطروحات حاضر في نقاشات خطط ما بعد الحرب).

الفكرة الجوهرية: لا تجعلوا الوحدة “جائزة” بعد الإدارة الدولية؛ اجعلوها شرطًا مسبقًا لتصميم الإدارة الدولية نفسها.
ما بعد عباس: منع الفراغ وتحصين الشرعية
السؤال “ما بعد عباس” لم يعد نظريًا. تقارير متعددة تحدثت عن ترتيبات داخلية لتسمية خليفة/قائم بالأعمال في حال شغور المنصب، مع تداول اسم حسين الشيخ في هذا السياق.
لكن الأخطر ليس “الاسم”، بل المشهد: خلافات داخل فتح، تآكل الثقة الشعبية، غياب انتخابات منذ سنوات، وتدخلات خارجية محتملة. في لحظة انتقال كهذه، أي فراغ في رام الله سيُترجم فورًا إلى:
فوضى شرعية تُضعف التمثيل الفلسطيني في أي ترتيبات لغزة.

تسارع وقائع الاستيطان والتفكيك في الضفة.

منافسة أجنحة داخلية قد تُفتح على صراعات أمنية.

ما الذي يجب أن يفعله العرب عمليًا—لا خطابيًا—من الآن؟
رعاية “اتفاق انتقال” فلسطيني مؤسسي

 دعم انتقال قائم على المؤسسات (منظمة التحرير/اللجنة التنفيذية/الأطر الدستورية) بدل انتقال قائم على توافقات غرف مغلقة، مع تعهد واضح بانتخابات خلال مدى زمني (مثلاً 12–18 شهرًا) إذا تهيأت الشروط. الهدف: شرعية متجددة لا “توريث سياسي”.

تشكيل “مجموعة اتصال عربية” للملف الفلسطيني

 (مصر–الأردن–قطر–السعودية–الإمارات–المغرب مثلًا) تعمل كمرجعية تنسيق واحدة: تضبط الرسائل الدولية، توحد التمويل المشروط، وتمنع استفراد طرف دولي أو إقليمي بالمرحلة الانتقالية.

فصل المساعدات عن الأشخاص وربطها بالإصلاح

 دعم الضفة يجب أن يُوجَّه لبناء الدولة: مالية عامة شفافة، مؤسسات عدالة، جهاز شرطة مدني، وخدمات. بهذه الطريقة، أي قيادة قادمة سترث “مؤسسات أقوى” لا “أزمة أقسى”.

حماية الضفة كأولوية أمن قومي عربي

 إذا كانت غزة مأساة إنسانية كبرى، فالضفة هي معركة وجود سياسي. وكل تساهل عربي مع تسارع الاستيطان وشرعنته سيعني عمليًا موت حل الدولتين وتحوّل الصراع إلى صراع مفتوح طويل، يدفع ثمنه الإقليم كله.

الخلاصة: من “قضية” إلى “امتحان نظام”
فلسطين اليوم ليست قضية مركزية تُقاس بها حرارة الخطاب، بل اختبار يُقاس به معنى النظام العربي نفسه: هل يستطيع أن يفرض شروطه في ترتيبات غزة الدولية؟ هل ينقذ الضفة من التفكيك؟ هل يرعى وحدة فلسطينية قابلة للحكم؟ وهل يُدير انتقالًا سياسيًا فلسطينيًا بعد عباس دون فراغ أو فوضى؟
إذا أخفق العرب في هذه الملفات الأربعة، فلن تكون النتيجة خسارة غزة وحدها، بل خسارة ما تبقى من القدرة العربية على صياغة الإقليم. أما إذا نجحوا—ولو بحد أدنى واقعي—فقد تتحول هذه اللحظة من مأساة إلى نقطة انعطاف: إعادة امتلاك القرار العربي في أكثر ملف رمزي في تاريخه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *