غزة وكسر الأوهام: ماذا كشفت الحرب عن السياسة العربية؟
ما بين العاطفة والواقع… اختبار الشرعية والقيادة في العالم العربي
لحظة كاشفة لا مجرد حرب
لم تكن حرب غزة حدثًا عابرًا في سياق صراع طويل، بل لحظة سياسية كاشفة هزّت كثيرًا من المسلّمات العربية. فهي لم تطرح سؤالًا عن العدالة أو المظلومية فقط، بل فرضت مساءلة عميقة لطبيعة السياسة العربية نفسها: كيف تُدار القضايا المصيرية؟ ومن يقرر الحرب؟ ومن يتحمل كلفتها؟ وما حدود العاطفة حين تصطدم بالواقع؟ غزة كسرت أوهامًا قديمة، ووضعت النظام العربي، بنُخَبه وقياداته، أمام اختبار صعب للشرعية والقدرة والصدق.
أولًا: العاطفة العربية… قوة أخلاقية بلا ترجمة سياسية
انفجرت العاطفة العربية مع مشاهد الدمار والقتل في غزة. تضامن شعبي واسع، مظاهرات، ضغط إعلامي، وغضب مشروع. لكن ما كشفته الحرب أن هذه العاطفة، رغم صدقها، بقيت بلا ترجمة سياسية فاعلة. الفجوة بين الشارع وصانع القرار ما زالت عميقة، لا لأن الشعوب لا تفهم السياسة، بل لأن السياسة كثيرًا ما تُدار بمعزل عن الرأي العام أو باستخدامه موسميًا. إدارة العاطفة دون تحويلها إلى سياسات واقعية جعلها تتحول من مصدر قوة إلى عبء أخلاقي يزيد الإحباط بدل أن يغير المعادلة.
ثانيًا: وهم “السلاح البديل عن الدولة”
أحد أبرز الأوهام التي سقطت هو الاعتقاد بأن الفاعلين غير الدولتيين قادرون على حماية القضايا العربية أو إدارة صراعات مصيرية نيابة عن الشعوب. تجربة غزة، كما تجارب لبنان واليمن والعراق، أكدت أن السلاح حين ينفصل عن مشروع وطني جامع يتحول إلى قرار أحادي، وأن الحرب التي لا تخضع لحسابات الدولة تُنتج كلفة يتحملها المجتمع وحده. لم يكن قرار الحرب فلسطينيًا جامعًا، ولا عربيًا، بينما كانت نتائجها كارثية على غزة سياسيًا وإنسانيًا، مع غياب أي أفق واضح لما بعد الدمار.
ثالثًا: اختلال ميزان القوة وغياب الاستراتيجية
كشفت الحرب أيضًا وهم إدارة الصراع خارج ميزان القوى. فبينما تصرفت إسرائيل كدولة تمتلك قرارها، وتعيد ترتيب أولوياتها وتحشد تحالفاتها، ظهر العرب – إلا من استثناءات محدودة – في موقع رد الفعل. الخطاب العالي السقف لم يُترجم إلى أدوات ضغط حقيقية، لا دبلوماسيًا ولا قانونيًا ولا اقتصاديًا. مرة أخرى، أثبت الواقع أن الشعارات لا تُغيّر موازين القوة، وأن غياب الاستراتيجية العربية الموحدة يجعل كل تحرك جزئيًا ومحدود الأثر.
رابعًا: فلسطين في الصدارة… ولكن بأي ثمن؟
يقال إن الحرب أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي، وهذا صحيح جزئيًا. لكن السؤال الأهم: بأي ثمن؟ غزة دُمّرت، وسقط عشرات الآلاف من الضحايا، وبرزت ترتيبات جديدة لإدارة القطاع لا تعكس بالضرورة الإرادة الفلسطينية. عودة القضية إلى الواجهة الإعلامية لا تعني تقدمها سياسيًا. بل قد تعني إعادة تدويرها ضمن معادلات دولية جديدة تُدار من خارج الإطار العربي والفلسطيني، في ظل غياب مشروع سياسي واضح لما بعد الحرب.
خامسًا: اختبار الشرعية العربية
وضعت غزة النظام العربي أمام اختبار شرعية من نوع جديد. الشرعية هنا ليست فقط شرعية الحكم، بل شرعية القدرة على الفعل والتأثير. هل لا تزال الدولة العربية لاعبًا قادرًا على حماية مصالحه والدفاع عن قضاياه؟ أم أنها اكتفت بإدارة الأزمات وتقليل الخسائر؟ كثير من الدول اختارت مقاربة واقعية قائمة على تجنب الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة، وهو خيار مفهوم في منطق الدولة، لكنه مكلف على مستوى الثقة الشعبية إذا لم يُقترن بمسار سياسي واضح وشفاف.
سادسًا: أزمة القيادة بين الشعبوية والعجز
كشفت الحرب إفلاس نماذج القيادة الشعبوية التي ترفع سقف الخطاب دون امتلاك أدوات التنفيذ. القيادة ليست صراخًا ولا بيانات شجب، بل قدرة على قراءة الواقع، وبناء مسارات تقلل الخسائر وتحمي الشعوب. في المقابل، أظهرت غزة أيضًا محدودية القيادات التي تكتفي بالصمت أو الحياد السلبي دون محاولة صياغة مبادرات سياسية فاعلة. بين الشعبوية والعجز، ضاعت القيادة الرشيدة التي توازن بين الأخلاق والمصلحة.
سابعًا: ملامح تحوّل ضروري
ورغم قتامة المشهد، كشفت غزة عن إدراك عربي متزايد بأن مرحلة “السياسة العاطفية” قد استنفدت أغراضها. هناك حاجة لإعادة تعريف دعم القضية الفلسطينية: دعم سياسي وقانوني، حماية للمدنيين، إعادة الاعتبار لمشروع وطني فلسطيني جامع، وتحرير القرار الفلسطيني من الارتهان لمحاور إقليمية. هذا التحول، إن تحقق، قد يشكل بداية مسار أكثر واقعية ومسؤولية.
خاتمة: ما بعد كسر الأوهام
غزة لم تكشف الفشل فقط، بل كشفت ضرورة التغيير. القضايا العادلة لا تنتصر بالعاطفة وحدها، ولا تُحمى بالشعارات. السياسة، مهما بدت باردة، هي الأداة الوحيدة القادرة على تقليل المآسي ومنع تكرارها. الرسالة التي خرجت من تحت ركام غزة واضحة: زمن الأوهام انتهى. والامتحان الحقيقي للعرب اليوم ليس في من يرفع صوته أكثر، بل في من يستطيع أن يبني سياسة تحمي الإنسان وتمنع المأساة القادمة.