سوريا واستقرار المشرق بعد سقوط النظام: لماذا لا يمكن الفصل بين المسارين؟
لم يكن سقوط النظام السوري حدثًا داخليًا يمكن احتواؤه ضمن حدود دولة أنهكتها الحرب، بل شكّل لحظة مفصلية أعادت تشكيل المشهد السياسي والأمني في المشرق العربي بأكمله. ومع بروز أحمد الشرع كحاكم فعلي (de facto) لسوريا، دخلت المنطقة مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا وحساسية، حيث لم يعد السؤال مقتصرًا على مستقبل الحكم في دمشق، بل على مستقبل المشرق ذاته: هل يمكن بناء استقرار إقليمي فيما تبقى سوريا في حالة تفكك أو غموض سياسي؟ أم أن المسارين—السوري والمشرقي—باتا أكثر تداخلًا من أي وقت مضى؟
الواقع يشير بوضوح إلى أن الفصل بين المسارين لم يعد خيارًا قابلًا للحياة، بل أصبح مصدر خطر استراتيجي إذا استمر تجاهله.
ما بعد سقوط النظام: نهاية الدولة أم بداية اختبار أصعب؟
لم يؤدِّ سقوط النظام إلى إنهاء الأزمة السورية، بل نقلها إلى مرحلة أكثر تعقيدًا. فقد انهارت البنية المركزية للدولة، وبرزت سلطة أمر واقع تستند إلى موازين القوة لا إلى عقد اجتماعي جامع أو شرعية سياسية متوافق عليها. هذا التحول يضع سوريا أمام اختبار حاسم: إما الانتقال التدريجي من سلطة أمر واقع إلى دولة، أو التحول إلى نموذج حكم هجين يعيد إنتاج الفوضى بأشكال جديدة.
بالنسبة للمشرق، لا يُعد هذا التحول شأنًا سوريًا داخليًا. فالتجربة منذ 2011 أثبتت أن أي خلل بنيوي في سوريا يرتدّ مباشرة على الجوار، أمنيًا واقتصاديًا وسياسيًا. وسوريا الخارجة من انهيار كامل، بلا دولة واضحة المعالم، تمثل عامل عدم استقرار دائم لمنظومة مشرقيّة هشة أصلًا.
أحمد الشرع: من واقع القوة إلى سؤال الشرعية
بغضّ النظر عن المواقف السياسية أو الأخلاقية من أحمد الشرع، فإن الواقع لا يمكن إنكاره: الرجل بات الطرف الأكثر تأثيرًا في معادلة الحكم داخل سوريا. تجاهل هذا الواقع أو التعامل معه بعقلية الإنكار لن يُنتج إلا مزيدًا من الفوضى.
لكن الاعتراف بالواقع لا يعني القبول به كما هو. التحدي الحقيقي أمام العرب يتمثل في كيفية احتواء هذا الواقع وتوجيهه نحو مسار دولة، بدل تركه يتحول إلى نموذج دائم من الحكم القائم على السلاح والتنظيم. فغياب هذا التوجيه سيحوّل سوريا إلى مركز لإعادة تدوير الأزمات، ومنصة تهديد مستمر لدول المشرق.
التداعيات المشرقية لسوريا ما بعد النظام
لبنان سيبقى عرضة لاختلالات أمنية واقتصادية طالما بقيت حدوده الشرقية مفتوحة على فراغ سياسي. العراق سيواجه مخاطر إعادة تنشيط الشبكات المسلحة العابرة للحدود. الأردن سيتحمل أعباء أمنية واقتصادية متزايدة. وحتى فلسطين ستتأثر بغياب سوريا كعنصر توازن في المعادلة الإقليمية.
بكلمات أخرى، سوريا ما بعد النظام إما أن تتحول إلى رافعة لاستقرار مشرقي جديد، أو إلى بؤرة مزمنة لإنتاج عدم الاستقرار.
خطأ ترك سوريا تُدار من الخارج… مجددًا
أحد أخطر السيناريوهات هو إعادة إنتاج تجربة العقد الماضي: ترك سوريا تُدار عبر تفاهمات دولية غير عربية، أو توازنات قوى إقليمية متصارعة. هذا المسار أضعف سوريا، لكنه أضعف النظام العربي برمّته أيضًا.
اليوم، تبحث السلطة الجديدة في دمشق عن اعتراف وموارد وضمانات. وإذا لم تجد ذلك ضمن إطار عربي منضبط، فستتجه تلقائيًا نحو بدائل تعمّق الارتهان الخارجي وتُقصي المصلحة المشرقية.
وحدة سوريا: خط أحمر مشرقي لا يقبل المساومة
في خضم التحولات الجارية، تبرز واحدة من أخطر القضايا التي قد تُقدَّم كحل “واقعي”: القبول بتقسيم سوريا أو تكريسها كدولة مجزأة بحكم الأمر الواقع. هذا الطرح، مهما بدا للبعض مخرجًا مؤقتًا، يحمل في جوهره وصفة مؤكدة لفوضى مشرقيّة طويلة الأمد.
وحدة سوريا ليست مسألة سيادية داخلية فحسب، بل شرط بنيوي لاستقرار المشرق. أي تقسيم—سواء كان جغرافيًا أو طائفيًا أو إثنيًا أو سياسيًا—سيحوّل سوريا إلى ساحة صراع دائم، ويخلق سوابق خطيرة قابلة للتكرار في دول عربية أخرى تعاني هشاشة مماثلة.
من هنا، يجب على الدول العربية أن تتعامل مع وحدة الأراضي السورية كـ خط أحمر استراتيجي. وهذا يعني رفض مشاريع التقسيم المقنّعة، أو مناطق النفوذ الدائمة، أو الكيانات المسلحة ذات الحكم الذاتي خارج إطار الدولة. كما يعني دعم دولة مركزية موحّدة، مع لامركزية إدارية منضبطة تخدم الإدارة والتنمية، لا التفكك والانفصال.
السماح بتقسيم سوريا—حتى تحت عناوين “الاستقرار” أو “الخصوصية المحلية”—لن يحل الأزمة، بل سينقلها من صراع داخلي إلى نزاع مشرقي مفتوح بلا أفق.
ماذا يجب على الدول العربية أن تفعل؟ من إدارة الواقع إلى صناعته
المرحلة الحالية لا تحتمل مقاربات رمزية أو بيانات عامة. المطلوب انتقال عربي حاسم من ردّ الفعل إلى الفعل الاستراتيجي، عبر مسارات متوازية:
أولًا: الانخراط السياسي المشروط
فتح قنوات رسمية مع السلطة الجديدة في دمشق ضمن إطار واضح: وحدة سوريا، ضبط السلاح، ومنع أي تهديد عابر للحدود، والانخراط في مسار انتقالي تدريجي شامل.
ثانيًا: بناء الدولة لا شرعنة الفصائل
أي دعم عربي يجب أن يوجَّه إلى مؤسسات الدولة (الإدارة، الأمن، القضاء، الخدمات)، لا إلى تكريس منطق الفصائل أو الاقتصاد العسكري.
ثالثًا: مظلة أمنية عربية
إطلاق آلية تنسيق أمني عربية خاصة بسوريا، تركز على ضبط الحدود، مكافحة الإرهاب، ومنع تحول الأراضي السورية إلى مصدر تهديد للجوار.
رابعًا: الإعمار كأداة استقرار
ربط إعادة الإعمار بإعادة بناء الدولة وخلق اقتصاد شرعي، لا بإعادة إنتاج اقتصاد الحرب والتهريب.
خامسًا: إعادة دمج سوريا مشرقيًا
إدماج سوريا في مشاريع الربط الاقتصادي والطاقة والنقل، بما يجعل استقرارها مصلحة مشتركة لا خيارًا سياسيًا عابرًا.
خاتمة: وحدة سوريا هي شرط استقرار المشرق
تغيّر النظام، وتغيّرت موازين القوى، لكن الحقيقة الجيوسياسية بقيت ثابتة: لا استقرار في المشرق من دون سوريا موحّدة، مستقرة، ومنخرطة في محيطها العربي. التعامل مع سوريا ما بعد النظام بعقلية الانتظار أو القبول بالأمر الواقع المجزأ هو وصفة مؤكدة لفشل إقليمي جديد.
اللحظة الراهنة ليست لحظة حياد، بل لحظة قرار. إما أن يقود العرب مسار إعادة بناء سوريا كدولة موحّدة، فيُعاد ضبط المشرق على أسس أكثر توازنًا، أو يُترك المسار للتفكك، فتتحول سوريا إلى عنوان دائم لفوضى مشرقيّة بلا نهاية. استقرار المشرق لا يبدأ من الشعارات ولا من المؤتمرات، بل من حقيقة واحدة لا تقبل الالتفاف: دمشق المستقرة والموحّدة هي بوابة المشرق الآمن.