سوريا ما بعد الأسد: فرصة عربية ضائعة أم لحظة استدراك استراتيجي؟
كيف يمكن للعرب قيادة مسار الاستقرار بدل تركه لقوى خارجية
بعد أكثر من عقد على اندلاع الحرب السورية، ومع التغيّرات العميقة التي شهدتها موازين القوى داخل سوريا وحولها، يعود السؤال المركزي ليطرح نفسه بإلحاح: هل يتعامل العرب مع سوريا ما بعد الأسد بوصفها ملفًا مؤجلًا يُدار بالحد الأدنى، أم باعتبارها ساحة اختبار حقيقية لاستعادة الفاعلية العربية في الإقليم؟ بين هذين الخيارين تتحدد ليس فقط ملامح مستقبل سوريا، بل أيضًا موقع العرب في النظام الإقليمي والدولي القادم.
أولًا: سوريا ليست ملفًا إنسانيًا فقط… بل قضية توازن إقليمي
لطالما اختُزلت المقاربة العربية لسوريا في بعدها الإنساني: لاجئون، مساعدات، إعادة إعمار مؤجلة. ورغم أهمية هذا البعد، فإن الاكتفاء به تجاهل حقيقة جوهرية: سوريا كانت ولا تزال عقدة توازن جيوسياسي في المشرق. ترك هذا التوازن لقوى خارجية—إيران، روسيا، تركيا، وحتى قوى دولية أبعد—لم يكن نتيجة تفوقها فحسب، بل أيضًا نتيجة فراغ عربي طويل.
ما بعد الأسد، أو حتى ما بعد “الأسد بصيغته القديمة”، يفتح نافذة لإعادة تعريف سوريا كدولة عربية ذات سيادة، لا كساحة نفوذ. لكن هذه النافذة ليست مفتوحة إلى الأبد، وهي تتطلب انتقالًا من إدارة الأزمة إلى صياغة مشروع استقرار.
ثانيًا: لماذا فشل العرب سابقًا في قيادة المسار السوري؟
يمكن تلخيص أسباب الإخفاق العربي في ثلاث نقاط رئيسية:
- غياب الرؤية الموحدة: تباينت المقاربات العربية بين القطيعة الكاملة، والتطبيع المشروط، والانخراط الأمني المحدود، دون إطار جامع يحدد الهدف النهائي.
- الارتهان للتفاعلات الدولية: انتظر العرب التسويات الروسية–الأمريكية، أو نتائج الصراع الإيراني–الغربي، بدل أن يفرضوا مسارًا عربيًا مستقلًا.
- الخوف من الكلفة: ساد اعتقاد بأن الانخراط في الملف السوري مكلف سياسيًا وماليًا، متناسين أن كلفة الغياب كانت—ولا تزال—أعلى بكثير.
هذه العوامل مجتمعة جعلت الدور العربي ردّ فعل، لا فعلًا استراتيجيًا.
ثالثًا: ما الذي تغيّر اليوم؟ ولماذا اللحظة مختلفة؟
اللحظة الراهنة تختلف عن السنوات السابقة لعدة أسباب:
- تراجع قدرة القوى الخارجية على الحسم المنفرد: إيران منهكة اقتصاديًا وسياسيًا، روسيا غارقة في أوكرانيا، وتركيا تعيد حساباتها الداخلية والإقليمية.
- تحوّل أولويات المجتمع الدولي: بات الاستقرار ومنع عودة الفوضى والهجرة والإرهاب أولوية تفوق تغيير الأنظمة.
- عودة الحديث عن النظام العربي ودوره: سواء عبر مبادرات إقليمية أو إدراك متزايد بأن الفراغ لا يُدار إلى الأبد.
هذه المتغيرات تخلق هامش حركة عربي حقيقي—إن أُحسن استثماره.
رابعًا: من “التطبيع” إلى “التأثير”… تغيير زاوية النظر
الجدل العربي انحصر طويلًا في سؤال: هل نطبّع أم لا؟ بينما السؤال الأهم هو: كيف نؤثّر؟
التطبيع بحد ذاته ليس استراتيجية، بل أداة. قيمته الحقيقية تُقاس بقدرته على:
- تقليص نفوذ الميليشيات العابرة للحدود،
- إعادة ربط سوريا بمحيطها العربي اقتصاديًا وأمنيًا،
- دعم بناء مؤسسات دولة لا شبكات سلطة.
من دون شروط واضحة وآليات تنفيذ، يتحول الانفتاح إلى شرعنة للأمر الواقع بدل تغييره.
خامسًا: ما الذي يمكن للعرب فعله عمليًا؟
الحديث عن “دور عربي” يجب أن يُترجم إلى مسارات ملموسة، أبرزها:
- إطار عربي جامع لسوريا: منصة سياسية–اقتصادية تضم دولًا عربية مركزية، تُنسّق المواقف وتمنع التنافس البيني.
- ربط إعادة الإعمار بالإصلاح المؤسسي: لا أموال دون مسار واضح لإعادة بناء الدولة، بدءًا من الإدارة المحلية، مرورًا بالأمن، وصولًا إلى الاقتصاد.
- احتواء سوريا اقتصاديًا: فتح الأسواق، إعادة الربط الطاقي، ودعم سلاسل التوريد الإقليمية، بما يقلّص اعتماد دمشق على شبكات غير عربية.
- مقاربة أمنية واقعية: التعاون في مكافحة الإرهاب وضبط الحدود، مقابل تفكيك تدريجي للميليشيات أو تحجيم دورها.
- إعادة سوريا إلى عمقها الاجتماعي العربي: عبر التعليم، الإعلام، التبادل الثقافي، وليس فقط القنوات الرسمية.
هذه الأدوات لا تتطلب إجماعًا عربيًا كاملًا، بل كتلة حرجة قادرة على الفعل.
سادسًا: المخاطر… وماذا لو لم يتحرك العرب؟
الامتناع عن المبادرة لا يعني بقاء الوضع على حاله، بل يعني أحد سيناريوهين خطيرين:
- ترسيخ الوصاية الخارجية: حيث تُدار سوريا وفق مصالح غير عربية لعقود قادمة.
- انفجار مؤجل: دولة هشّة، اقتصاد منهار، ومجتمع ممزق، بما يعيد إنتاج الفوضى والهجرة والتطرف.
في الحالتين، سيدفع العرب ثمنًا أمنيًا وسياسيًا مضاعفًا.
خاتمة: سوريا اختبار للقيادة العربية لا للتعاطف فقط
سوريا ما بعد الأسد ليست مجرد ملف لإدارة الخسائر، بل اختبار لقدرة العرب على الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الصانع. الفرصة لم تُهدر بعد، لكنها تضيق. والفرق بين “الفرصة الضائعة” و“لحظة الاستدراك الاستراتيجي” لا تصنعه النوايا، بل القرارات الجريئة، والرؤية الواضحة، والاستعداد لتحمل كلفة الفعل بدل كلفة الغياب.
في النهاية، السؤال ليس إن كان العرب قادرين على قيادة مسار الاستقرار في سوريا، بل إن كانوا مستعدين للاعتراف بأن مستقبلهم الإقليمي يمر من دمشق، شاءوا أم أبوا.