خنق الخليج: الخيارات المُرّة المتبقية قبل الانهيار

هرمز مغلق فعلياً، وخط شرق–غرب متوقف، وباب المندب تحت النار. الطوق اكتمل، والمظلّات انكشفت، وما تبقّى أمام العالم العربي خيارات كلها مكلفة. هذه الورقة ترسمها وتستبعد وهماً واحداً.

لم يعد وصف ما يجري في الخليج بأنه “تهديد” وصفاً دقيقاً.

خلال أيام قليلة من سبتمبر، توقّف آخر شريان رئيسي يُخرج النفط السعودي بعيداً عن هرمز، وتقدّم الحوثيون إلى جزر المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وتأجّل المسار الإقليمي لإعادة فتح المضيق، واكتفى الحلفاء بالإدانة.

الخنق لم يعد احتمالاً. لقد بدأ.

والسؤال لم يعد: هل ستُدفع المنطقة إلى خيارات صعبة؟ بل: أيّها تختار قبل أن يُفرض عليها؟

تجادل هذه الورقة بأن الخليج ليس وحده في دائرة الخطر. فالخليج كان طوال عقود الظهير السياسي والأمني للأردن ومصر، وبات الراعي العربي الأبرز لسوريا الجديدة. وأي اختناق فيه يُضعف الدولة في عمّان والقاهرة ودمشق، في اللحظة التي يضغط فيها المحور نفسه على حدودها. وتحدّد الورقة ستة مسارات متبقية، لا يخلو أيٌّ منها من ثمن باهظ، أبرزها نواة قوة عربية مشتركة تجمع الخليج ومصر والأردن وسوريا، وتستبعد مساراً سابعاً يُسوَّق اليوم بوصفه طوق نجاة: التطبيع مع إسرائيل مقابل الاستقرار.

أولاً: كيف اكتمل الطوق؟

منذ الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير، ردّت طهران بضربات على السعودية ودول الخليج، وشلّت الملاحة في هرمز عملياً. ومنذ ذلك الحين قامت المعادلة الخليجية على افتراض واحد: إذا أُغلق الشرق، يبقى الغرب مفتوحاً.

هذا الافتراض سقط الآن. والطوق تشكّل من ثلاث عُقد متتالية.

مخطط العُقد الثلاث التي تخنق صادرات النفط السعودية: هرمز، خط شرق–غرب، باب المندب

العقدة الأولى: هرمز

المضيق ما زال بعيداً عن مستويات ما قبل الحرب. والمسار الذي تقوده مسقط لإعادة فتحه تعثّر: اجتماع صلالة الإقليمي الذي كان مقرراً في 14 سبتمبر أُجّل إلى أجل غير مسمّى. ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ربط أي فتح للمضيق بتلبية واشنطن لمطالب طهران، بصرف النظر عن أي تفاهم مع عُمان.

العقدة الثانية: خط شرق–غرب

على مدى ستة أشهر كان هذا الخط، بطول 1,200 كيلومتر وطاقة تقارب 7 ملايين برميل يومياً، المخرج الرئيسي لنفط الخليج إلى العالم. في 11 سبتمبر ضربته مسيّرات نسبتها الرياض إلى فصائل مدعومة من إيران في العراق، مع حديث مسؤولين إقليميين عن دعم حوثي لتلك الفصائل. أُغلق الخط، وتشير تقديرات مسؤولين إقليميين إلى أن إصلاحه قد يستغرق من ثلاثة إلى خمسة أسابيع مع احتمال تشغيل جزئي.

واللافت أن الرياض أعلنت أنها لن تردّ في الوقت الراهن، استجابةً لطلب من رئيس الوزراء العراقي، مع احتفاظها بحق الرد.

العقدة الثالثة: باب المندب

منذ يوليو، حين منعت الرياض طائرة إيرانية تقلّ مسؤولين حوثيين عائدين من جنازة المرشد السابق علي خامنئي من الهبوط في صنعاء، عاد الحوثيون إلى الحرب المفتوحة وأعلنوا حصاراً على الشحنات السعودية.

النتيجة كانت فورية. صادرات السعودية إلى آسيا انهارت من نحو 3.4 مليون برميل يومياً في يونيو إلى قرابة 128 ألفاً في أغسطس، قبل أن تتعافى جزئياً إلى نحو 700 ألف في سبتمبر، وفق بيانات كبلر. والملاحة عبر المضيق تراجعت بنحو 60%.

ثم جاء التقدم البري. سقطت المخا وجزيرة ميون داخل المضيق، ثم جزيرتا حنيش الكبرى والصغرى، دون مقاومة تُذكر. وبات الحوثيون على بعد نحو 32 كيلومتراً من القاعدة الأمريكية في جيبوتي.

  1. هجوم أمريكي–إسرائيلي على إيران، وردّ إيراني على الخليج، وشلل الملاحة في هرمز.
  2. انفجار المواجهة السعودية–الحوثية وإعلان الحصار الحوثي على الشحنات السعودية.
  3. توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان.
  4. موجة صواريخ ومسيّرات على جازان وأبها ونجران وخميس مشيط، وعشرات الجرحى.
  5. سقوط المخا وجزيرة ميون داخل مضيق باب المندب.
  6. ضربة بالمسيّرات على خط شرق–غرب وإغلاقه.
  7. تأجيل اجتماع صلالة الإقليمي حول هرمز.
  8. الإعلان عن سيطرة الحوثيين على جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى.

فهل ما جرى سلسلة أحداث متفرقة؟ أم هندسة واحدة بثلاث أذرع؟

الوقائع ترجّح الثانية. إيران تُمسك بالشرق، والفصائل العراقية تضرب الوسط، والحوثيون يُطبقون على الغرب. ثلاث ساحات، ومرجعية واحدة، وهدف واحد: أن لا يبقى للخليج منفذ لا يمرّ عبر إرادة طهران.

ثانياً: انكشاف المظلّات: لماذا لم يأتِ أحد؟

واشنطن: مخزون ناضب وحسابات انتخابية

القوات الأمريكية منتشرة بكثافة حول هرمز لفرض الحصار على إيران، والحرب استنزفت مخزونها من صواريخ الاعتراض المتقدمة. والرئيس ترمب يبدو غير راغب في توسيع حرب لا تحظى بشعبية قبل الانتخابات النيابية، بل ألمح صراحة إلى أن الانتخابات سبب لعدم تصعيد الضغط.

وتفيد تقارير بأن الرياض طلبت دعماً أمريكياً مباشراً ضد الحوثيين، فجاء الرد بالاكتفاء بالمعلومات الاستخبارية وبيانات الاستهداف. وهو تحوّل لافت عن موقف سعودي في يوليو كان يقول إن المملكة قادرة على التعامل مع الحوثيين وحدها.

الأخطر من ذلك أن مسؤولين أمريكيين أبلغوا نظراءهم في الخليج، وفق مصادر مطلعة، برغبتهم في أن تتركز أي مفاوضات مقبلة مع طهران على الملف النووي لا على فتح المضيق. وترمب نفسه أعلن أنه يفضّل الوضع الراهن، بما يمنحه من سيطرة على هرمز وضغط على الاقتصاد الإيراني.

بعبارة أخرى: المضيق المغلق ورقة ضغط أمريكية على إيران، لا أزمة أمريكية تستوجب الحل. والخليج يدفع ثمن استراتيجية ليست استراتيجيته.

حلف مكة: نصٌّ بلا آلية

وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس، على مبدأ أن الاعتداء على أي منها اعتداء على الجميع. لكن ما أُعلن من نصوصها لا يحدد الالتزامات العسكرية ولا طبيعة المساعدة ولا آلية تفعيلها، ولم تكن قد تشكّلت قيادة مشتركة حتى نهاية أغسطس.

وحتى الآن اقتصر رد الشريكين على بيانات الإدانة والتضامن. وأعلنت باكستان في 10 سبتمبر أنها لا تدرس رداً عسكرياً فورياً.

غير أن الصورة تحتاج دقة أكبر من اتهام الشركاء بالتخلي. فأنقرة أوضحت أن الحلف يعمل على غرار الناتو: الدولة المعتدى عليها يجب أن تطلب المساعدة وتحدد نوعها. وإسلام آباد قالت إنها لم تتلقَّ أي طلب سعودي للتدخل.

إذن السؤال ليس فقط: لماذا لم يتحرك الحلفاء؟ بل أيضاً: لماذا لم تطلب الرياض؟

والأرجح أن التردد السعودي مفهوم: الخشية من ردّ حوثي أعنف على المنشآت الحيوية، وحدود باكستان الطويلة مع إيران، وحسابات أنقرة مع طهران، وخطر أن يُقرأ التدخل قراءة طائفية. لكن حلفاً لا يُفعَّل عند أول اختبار يفقد قيمته الردعية بسرعة.

الشرخ السعودي–الإماراتي

جزر حنيش كانت تحت سيطرة الإمارات وحلفائها في جنوب اليمن. لكن أبوظبي فككت بنيتها العسكرية هناك بعد خلافها مع الرياض والحكومة اليمنية مطلع هذا العام. ثم انسحبت القوات الحكومية، ودخل الحوثيون.

الدرس هنا قاسٍ: الشرخ داخل البيت الخليجي لم يكن خلافاً سياسياً فحسب. لقد تحوّل إلى فراغ جغرافي ملأه الخصم.

ثالثاً: ماذا تريد طهران فعلاً؟

طهران لا تسعى إلى إغلاق دائم للممرات. هي تسعى إلى أن يصبح فتحها قراراً إيرانياً.

مطلبها بتحصيل رسوم من السفن العابرة لهرمز يكشف ذلك بوضوح. والمقترح العُماني نفسه تضمّن تسوية وسطاً: مدفوعات طوعية مقابل خدمات السلامة الملاحية وحماية البيئة. أي أن الاعتراف بدور إيراني في إدارة المضيق بات مطروحاً على الطاولة.

وفي اليمن، يطالب الحوثيون برفع الحصار الذي تقوده السعودية، وهو ما يعني تعزيز قوتهم على المدى البعيد. وإيران، في المقابل، لا مصلحة لها في تهدئة إقليمية ما لم تنتزع تنازلات أمريكية كبرى.

هنا مكمن الخطر: أيّاً كان من يفاوض طهران، فإن الثمن يُدفع من الجغرافيا الخليجية.

رابعاً: الأطراف تحت الاختبار: الاستقرار السياسي والأمني في عمّان والقاهرة ودمشق

القناة الاقتصادية للأزمة معروفة. لكن الخطر الأعمق سياسي وأمني.

فالخليج كان، بدرجات متفاوتة، الظهير الاستراتيجي لأنظمة الحكم في الأردن ومصر، والراعي العربي الأبرز لسوريا الجديدة. وحين يُخنق هذا الظهير، تفقد العواصم الثلاث سندها في اللحظة ذاتها التي يضغط فيها المحور نفسه، إيران وفصائلها، على حدودها وفي أجوائها، بينما تتمدد إسرائيل على تخومها.

الأطراف إذن ليست متلقّية للصدمة فحسب. إنها خطوط تماس مباشرة مع المحور ذاته.

الأردن: دولة في مرمى النيران من ثلاث جهات

منذ 28 فبراير، عبرت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية الأجواء الأردنية بكثافة غير مسبوقة، وسقط بعضها داخل المملكة، وأصيب 28 أردنياً بشظايا الاعتراض. وفي الأسبوع الثاني من الحرب وحده، أعلنت القوات المسلحة الأردنية اعتراض 158 من أصل 164 صاروخاً ومسيّرة استهدفت منشآت حيوية. وتشير تحليلات لصور الأقمار الصناعية إلى تدمير بطارية “ثاد” أمريكية في قاعدة موفق السلطي، فيما تُدرج مصادر مفتوحة فصائل عراقية مسلحة ضمن الجهات المنفّذة للهجمات على الأردن.

شرقاً، تنتشر فصائل موالية لإيران في محافظة الأنبار العراقية غير بعيد عن الحدود. وشمالاً، ما زالت شبكات تهريب المخدرات والسلاح في الجنوب السوري مصدر قلق دائم، إلى جانب التوسع العسكري الإسرائيلي حتى اليرموك. وغرباً، يبقى هاجس التهجير نحو الأردن تهديداً وجودياً لتوازن الدولة.

وفي الداخل، أشعلت حرب غزة، ثم اعتراض الصواريخ الإيرانية المتجهة إلى إسرائيل، أكبر موجة احتجاجات منذ 2011، رفعت مطالب بإلغاء معاهدة السلام وإنهاء الوجود العسكري الغربي في المملكة. وسبق ذلك حظر جماعة الإخوان المسلمين في 2025 بعد الكشف عن خلايا لتصنيع الصواريخ والمسيّرات.

المعادلة الأردنية دقيقة: نموذج التحالف القائم على واشنطن والخليج يُختبر اليوم في الشارع. وإذا ظهر الخليج متروكاً من حليفه الأمريكي، يصبح هذا النموذج نفسه موضع مساءلة داخلية، وتلك هي نقطة الضغط التي يراهن عليها الخصوم.

مصر: طوق من الأزمات على كل الحدود

تواجه مصر حلقة كاملة من التهديدات: حرب أهلية في السودان جنوباً تحوّلت إلى حرب بالوكالة، ودولة منقسمة في ليبيا غرباً، وغزة في الشمال الشرقي حيث خط التهجير الأحمر ومشاركة مصرية في قوة الاستقرار بما تحمله من مخاطر، وسد النهضة على منابع النيل.

واليوم أُضيف إلى الحلقة ضلع بحري. فالحوثيون باتوا يسيطرون على كامل الساحل اليمني على البحر الأحمر وعلى مضيق باب المندب. أي أن المدخل الجنوبي لقناة السويس أصبح في يد طرف مرتبط بإيران.

ومع ذلك، تتمسك القاهرة منذ 2015 بسياسة ثابتة: تجنّب التورط العسكري في اليمن. فهي تخشى أن يُقرأ أي صدام مع الحوثيين دخولاً في الحرب على إيران، التي تراها ثقلاً موازناً في معادلة الإقليم. وذاكرتها العسكرية ما زالت تحمل كلفة حرب اليمن في الستينيات، التي سقط فيها نحو 26 ألف جندي مصري.

لكن المشهد يتحرك. ففي 15 سبتمبر زار ولي العهد السعودي القاهرة، وطالب الطرفان بضمان حرية الملاحة في هرمز وباب المندب، وأكد الرئيس السيسي دعم مصر للإجراءات السعودية لحماية أمن المملكة واستقرارها.

ومن زاوية استقرار الحكم، قامت شرعية الدولة المصرية منذ 2013 على معادلة الأمن والإنجاز، وكان الخليج أبرز داعميها سياسياً. وخليج مخنوق يعني ظهيراً أضعف لدولة يحيط بها الاضطراب من كل جانب.

سوريا: دولة ناشئة بين فكّي كماشة

الدولة السورية الجديدة ما زالت في طور التماسك. جيشها تشكّل من دمج فصائل متعددة الخلفيات، والمواجهات مع “قسد” تجددت مطلع 2026، وجرح السويداء لم يندمل بعد.

وفي الوقت ذاته، مدّت الفصائل العراقية الموالية لإيران هجماتها إلى الأراضي السورية للمرة الأولى منذ بدء الحرب. ففي 23 مارس أُطلقت صواريخ من بلدة ربيعة العراقية على قاعدة خراب الجير في الحسكة، بعد أن اعتقلت السلطات السورية خلية تابعة للحشد في دير الزور. وبعد أيام أسقط الجيش السوري مسيّرة قالت مصادر سورية إنها انطلقت من العراق نحو قاعدة التنف. وعلى الحدود اللبنانية، تواصل دمشق منذ اشتباكات 2025 مواجهة شبكات التهريب المرتبطة بحزب الله.

وجنوباً، تتمدد إسرائيل من جبل الشيخ إلى اليرموك، وترصد جهات حقوقية مئات الانتهاكات شهرياً.

فماذا يعني إضعاف الخليج بالنسبة لدمشق؟

يعني أن الراعي العربي الأبرز للتحول السوري يفقد قدرته على الإسناد، في اللحظة التي تسعى فيها طهران إلى استعادة ما خسرته في ديسمبر 2024، وهذه المرة عبر البوابة العراقية.

وهنا المفارقة التي تبني عليها هذه الورقة: الدول الثلاث ليست الأكثر انكشافاً فحسب. إنها تملك تحديداً ما ينقص الخليج اليوم: الكتلة العسكرية، والخبرة الميدانية، والمعرفة العملية بقتال الميليشيات.

خامساً: لماذا ليست إسرائيل خياراً؟

ستُطرح في الأسابيع المقبلة معادلة مغرية: تطبيع مع إسرائيل مقابل مظلة أمنية واستقرار إقليمي. هذه المعادلة خاطئة لخمسة أسباب.

السبب الأول: إسرائيل شريكة في إشعال الحريق

الحرب التي يدفع الخليج ثمنها بدأت بهجوم أمريكي–إسرائيلي على إيران، ودون تشاور مع الحلفاء الخليجيين. من يطلب المظلة ممن أشعل الحريق، يشتري الأمان بعملة الخطر نفسه.

السبب الثاني: المشروع التوسعي معلن لا مضمر

رئيس الوزراء الإسرائيلي تحدث بوضوح عن ثلاث مناطق أمنية داخل أراضي الجوار: في سوريا من جبل الشيخ إلى اليرموك، وفي أكثر من نصف قطاع غزة، وفي جنوب لبنان مع توسيعها. ووزير الدفاع أعلن نية احتلال دائم حتى نهر الليطاني، وأكد أن قواته لن تنسحب حتى لو طلبت واشنطن ذلك.

وفي سوريا تحديداً، لا تكتفي إسرائيل بالمسافة الأمنية، بل تسعى إلى رسم البنية الأمنية للدولة السورية نفسها: أحزمة منزوعة السلاح، وقيود على الانتشار، وحرية عمل عسكري مفتوحة.

السبب الثالث: الترابط مع إسرائيل يتحول إلى ورقة ضغط

التجربة المصرية كافية. مع بدء الحرب علّقت إسرائيل إمدادات الغاز إلى مصر. أي ممر أو خط أو صفقة طاقة تمر عبر إسرائيل تصبح، في لحظة الأزمة، أداة ابتزاز لا أداة استقرار.

السبب الرابع: إسرائيل لا تستطيع فتح المضائق

التطبيع لا يفتح هرمز ولا يستعيد باب المندب ولا يحمي خط شرق–غرب. إسرائيل نفسها تعاني ضغط الجبهات المتعددة. وما ستقدمه لا يتجاوز ما تقدّمه واشنطن اليوم: معلومات، ووعود، وحسابات خاصة.

السبب الخامس: الضعف العربي مصلحة إسرائيلية

كلما تفكك النظام العربي، اتسعت حرية الحركة الإسرائيلية. والتطبيع في لحظة الانكشاف يمنح الحوثيين وإيران أقوى سردية تعبئة ممكنة، ويشرعن التوسع القائم في لبنان وسوريا وغزة.

التطبيع في هذه اللحظة ليس مقايضة استقرار. إنه شراء مظلة من طرف يتوسع على حسابك، بثمن يُدفع من شرعيتك.

سادساً: ستة مسارات متبقية، أحلاها مُرّ

استبعاد الوهم لا يعني وجود بديل سهل. كل ما تبقّى مكلف. والفرق بين المسارات ليس في وجود الثمن، بل في من يدفعه ومتى.

المسار الأول: صفقة الضرورة مع طهران

المضمون
العودة إلى مسار صلالة بموقف خليجي موحد، والقبول بإطار عُماني يتضمن ممرات ملاحية متفقاً عليها، ورسوماً طوعية مقابل خدمات، وترتيبات عدم اعتداء، وهدنة مع الحوثيين، وضبطاً للفصائل العراقية.
الثمن
اعتراف فعلي بدور إيراني في إدارة هرمز، وسابقة دفع مقابل العبور، وحوثيون أقوى على المدى البعيد إذا خُفف الحصار، واحتكاك مع واشنطن التي تريد المضيق ورقة ضغط.
شرط النجاح
صفقة واحدة تشمل الساحات الثلاث، لأن أي تسوية لهرمز وحده ستُقابَل بفتح جبهة أخرى. وضمانات من أطراف ذات وزن مثل عُمان والصين وباكستان. والأهم: أن يُفاوَض من موقع قوة، وهو ما يوفّره المساران الثاني والثالث.

المسار الثاني: درع مكة لحماية الخليج من الداخل

اتفاقية مكة ليست أداة مناسبة للتدخل في اليمن. فباكستان تتقاسم حدوداً طويلة مع إيران، وتركيا تحكمها حسابات معقدة مع طهران ومع الناتو، وجرّهما إلى حرب يمنية سيُفرغ الحلف من مضمونه. لكن الحلف مناسب تماماً لوظيفة أخرى: الدفاع.

المضمون
طلب سعودي رسمي بموجب الاتفاقية لمهمة دفاعية حصرية داخل الخليج: دفاع جوي ومضاد للمسيّرات حول المنشآت النفطية وخط شرق–غرب والموانئ، وتبادل استخباري وإنذار مبكر، وإسناد تركي في الحرب الإلكترونية ومكافحة المسيّرات، وأطقم دفاع جوي باكستانية. ولا دور للحلف في اليمن.
الثمن
الدفاع يقلّص الخسائر ولا يزيل مصدر التهديد. وحسابات إسلام آباد وأنقرة مع طهران ستحدد سقف المشاركة. وكلفة التمويل مستمرة.
شرط النجاح
تفويض دفاعي صريح يطمئن الشريكين إلى أنهما لن يُجرّا إلى اليمن، وقيادة دفاع جوي مشتركة، وإعلان التفعيل رسمياً لاستعادة القيمة الردعية التي تآكلت في الاختبار الأول.

المسار الثالث: النواة العربية المشتركة وتدخل الحد الأدنى في اليمن

إذا كان حلف مكة درعاً، فإن اليمن يحتاج إلى يد. وهذه اليد يجب أن تكون عربية.

الفكرة ليست جديدة. فقمة شرم الشيخ العربية عام 2015 أقرّت مبدأ قوة عربية مشتركة، ثم تعثّر المشروع في تفاصيله. الفرق اليوم أن التهديد لم يعد نظرياً: المضيق سقط، والقناة مهددة، والفصائل ذاتها تضرب الخليج والأردن وسوريا في آن واحد.

فلماذا عربية لا مكّية؟

لأن الدول الأربع هي صاحبة المصلحة المباشرة: السعودية في صادراتها، ومصر في قناتها وأمن البحر الأحمر، والأردن في منفذه الوحيد عبر العقبة وفي حدوده مع الفصائل، وسوريا في منع عودة المحور إليها. ولأن مشاركة عربية خالصة تحرم الخصم من ذريعة “التدخل الخارجي”، وتُبقي باكستان وتركيا في الوظيفة التي تناسبهما.

الدولةما تملكهدورها في النواةالقيود
السعودية ودول الخليجالقرار السياسي، والتمويل، والقواعد والموانئ، والقوة الجوية، والاستخبارات، وشبكة الحلفاء اليمنيين.القيادة والتمويل، والإسناد الجوي والاستخباري، والتنسيق مع القوات الحكومية اليمنية.مخزون اعتراض متراجع، وذاكرة حرب 2015 المكلفة، والشرخ مع الإمارات.
مصرأكبر جيش تقليدي عربي، وأسطول جنوبي في البحر الأحمر، وحاملتا مروحيات من طراز ميسترال، وقاعدة برنيس العسكرية.السيطرة البحرية على جنوب البحر الأحمر، والقدرة البرمائية لاستعادة الجزر وتأمينها، والكتلة الرادعة التي تغيّر حسابات الخصم.سياسة عدم التدخل في اليمن منذ 2015، وذاكرة الستينيات، وانشغال الجبهات في السودان وليبيا وغزة.
الأردنقوات خاصة ذات سمعة إقليمية ودولية، وخبرة طويلة في أمن الحدود ومكافحة التهريب والجماعات المسلحة غير النظامية، وخبرة حديثة في اعتراض المسيّرات والصواريخ.عمليات خاصة نوعية ضد منصات الإطلاق ومراكز القيادة، وتدريب القوات اليمنية، واعتراض تهريب السلاح، ونقل خبرة مكافحة المسيّرات.حساسية الشارع، والانكشاف على الرد الإيراني وهجمات الفصائل العراقية، ومحدودية حجم القوات المتاحة.
سورياجيش ناشئ تشكّل من قوى خاضت أكثر من عقد من القتال الفعلي ضد الميليشيات المرتبطة بإيران وحزب الله، ومعرفة ميدانية بشبكاتها وأساليبها.الاستخبارات حول الشبكات الإيرانية، وخبرة قتال الميليشيات، ومستشارون ووحدات محدودة.تماسك داخلي غير مكتمل، وجبهات مفتوحة مع إسرائيل والفصائل العراقية، وقدرة محدودة على الانتشار الخارجي، وحساسية تركيبة بعض الوحدات.

مفهوم العمل: تدخل الحد الأدنى. النواة لا تسعى إلى استعادة صنعاء، ولا إلى تكرار حرب 2015. أهدافها محددة:

  • منع السيطرة الحوثية الكاملة على باب المندب، باستعادة جزيرتي ميون وحنيش أو تحييدهما.
  • اعتراض تدفق السلاح الإيراني بحراً.
  • ضرب منصات الإطلاق التي تستهدف المملكة والملاحة بعمليات خاصة ونوعية.
  • تدريب القوات الحكومية اليمنية وإسنادها لتمسك هي الأرض، فيما تبقى القوات العربية في البحر والجو والعمليات الخاصة.
الثمن
تجاوز القاهرة لسياسة راسخة وذاكرة ثقيلة، وخطر استنزاف جيوش منشغلة بجبهاتها. وانتقام حوثي وإيراني قد يطال الدول المشاركة، بما فيها الأردن وسوريا عبر الفصائل العراقية. وتحديات القيادة والتوافق العملياتي بين جيوش لم تعمل معاً بهذا الشكل.
شرط النجاح
قرار سعودي–مصري أولاً يبني على قمة القاهرة، ثم انضمام الأردن وسوريا. وتمويل وغطاء سياسي خليجي كامل. وإطار قانوني واضح يستند إلى دعوة الحكومة اليمنية المعترف بها وقرار مجلس الأمن 2216. ومصالحة سعودية–إماراتية تعيد الخبرة الإماراتية وحلفاءها في الجنوب. وتفويض ضيق بسقف زمني معلن. وتقسيم عمل واضح: درع مكة يحمي، والنواة العربية تتدخل.

المسار الرابع: المظلة الأمريكية بثمن أعلى

المضمون
صفقات استثمار وتسليح كبرى مقابل حملة أمريكية في البحر الأحمر وإمدادات اعتراض عاجلة.
الثمن
كلفة مالية وسيادية عالية، مع شريك ثبت تقلّبه: لم يرد على هجوم 2019 على أبقيق، وبدأ الحرب دون تشاور، ويقدّم الملف النووي على المضيق.
شرط النجاح
التزامات تنفيذية مكتوبة ومحددة زمنياً، لا تصريحات. والتعامل مع واشنطن شريك ضرورة لا ضامناً.

المسار الخامس: الالتفاف على الجغرافيا

المضمون
برنامج عاجل لتعدد مسارات التصدير: خطوط إلى بحر العرب عبر عُمان خارج المضيقين، وتوسيع خط حبشان–الفجيرة الإماراتي القائم، وممرات برية نحو موانئ المتوسط عبر الأردن وسوريا وتركيا.
الثمن
سنوات من التنفيذ وعشرات المليارات، وخطوط تبقى معرضة للمسيّرات، وممرات تعبر دولاً هشة أو ساحات نفوذ للفصائل.
شرط النجاح
البدء الآن. درس 2026 واضح: كل مسار وحيد نقطة فشل وحيدة. ويُستبعد من هذا المسار أي ممر عبر إسرائيل، لأنه الخيار المستبعد نفسه في ثوب آخر.

المسار السادس: تحصين الحلقات الأضعف

المضمون
مظلة دعم عربية للأردن ومصر وسوريا تتجاوز المال: تعاون استخباري وأمني ضد الفصائل وشبكات التهريب، وإسناد في الدفاع الجوي، ودعم سياسي معلن يحصّن الأنظمة من الضغط الداخلي والخارجي، إلى جانب ضمان الحد الأدنى من الإسناد المالي.
الثمن
موارد خليجية تحت الضغط في اللحظة ذاتها، وخطر أن يُقرأ الدعم انحيازاً في ملفات داخلية حساسة.
شرط النجاح
إطار مشترك سريع وموجّه. فانهيار الأطراف لن يبقى في الأطراف: سيعود إلى الخليج فوضى وتطرفاً وتغلغلاً إيرانياً. والدول ذاتها التي يُراد تحصينها هي عماد النواة العربية في المسار الثالث.
المسارما يعالجهالثمن الأكبرالأفق الزمنيالمخاطرة
صفقة الضرورة مع طهرانهرمز، والجبهتان الحوثية والعراقية إن كانت شاملةشرعنة الدور الإيرانيأسابيع إلى أشهرمتوسطة
درع مكة الدفاعيحماية المنشآت والإنذار المبكر داخل الخليجيقلّص الخسائر ولا يزيل التهديدأسابيعمتوسطة
النواة العربية المشتركةباب المندب وتدفق السلاح ومنصات الإطلاقالانتقام والاستنزافأشهرعالية
المظلة الأمريكية بثمن أعلىالاعتراض والحماية البحريةالسيادة والكلفة، مع شريك متقلبأسابيعمتوسطة
الالتفاف على الجغرافياالاعتماد على ممر وحيدالكلفة والوقتسنواتمنخفضة
تحصين الحلقات الأضعفانكشاف الأردن ومصر وسورياموارد في وقت الضيقفوري ومستمرمنخفضة

سابعاً: التوليفة الأقل سوءاً

لا مسار واحداً يكفي. والخطأ الأكبر أن يُختار مسار واحد ويُنتظر منه كل شيء.

المقاربة التي تقترحها هذه الورقة تقوم على ثلاث طبقات: درع يحمي، ونواة تضغط، وتفاوض يحصد. وتسلسلها كالآتي:

  1. تفعيل رسمي لدرع مكة بمهمة دفاعية حصرية داخل الخليج، لحماية المنشآت ورفع كلفة الاعتداء.
  2. مصالحة سعودية–إماراتية عاجلة، تسبق أي تحرك في اليمن.
  3. إطلاق النواة العربية بقرار سعودي–مصري يبني على قمة القاهرة، ثم ضم الأردن وسوريا، بمهمة محدودة لمنع السيطرة الكاملة على باب المندب.
  4. العودة الموحدة إلى مسار صلالة من موقع قوة، بحزمة واحدة تشمل هرمز والجبهة الحوثية والفصائل العراقية، مع رفض أي تسوية جزئية.
  5. إطلاق برنامج الممرات البديلة ومظلة تحصين الأطراف فوراً، لأن نتائجهما لا تُجنى إلا بعد وقت.
  6. التعامل مع واشنطن بمنطق الشراكة المشروطة، والحصول على التزامات مكتوبة قبل أي ثمن.

ثامناً: مؤشرات الإنذار خلال التسعين يوماً المقبلة

  • هل يعود خط شرق–غرب إلى العمل ضمن مهلة الأسابيع الخمسة، أم تتكرر الضربات قبل اكتمال الإصلاح؟
  • هل ينتقل الحوثيون من المخا وميون إلى تهديد مباشر لميناء ينبع؟
  • هل تتقدم الرياض بطلب رسمي لتفعيل اتفاقية مكة دفاعياً؟ وما شكل الرد التركي والباكستاني؟
  • هل تتحول قمة القاهرة إلى تنسيق عسكري فعلي؟ وهل تراجع القاهرة سياسة عدم التدخل في اليمن؟
  • تكرار هجمات الفصائل العراقية على الأردن وسوريا، وقدرة البلدين على الاحتواء.
  • متى يُعاد جدولة اجتماع صلالة؟ ومن يحضر؟ وهل يصمد الموقف الخليجي الموحد؟
  • هل تستبعد المفاوضات الأمريكية–الإيرانية ملف المضيق بعد الانتخابات النيابية الأمريكية؟
  • قدرة الحكومة العراقية على ضبط الفصائل، ومؤشرات الاحتقان الداخلي في الأردن ومصر، وتماسك الجبهة الداخلية السورية.

الهدف الاستراتيجي

الهدف ليس كسب الحرب. الهدف أن لا يتحول الخنق المؤقت إلى نظام إقليمي دائم، تُدار فيه الممرات العربية من طهران وتُرسم فيه الحدود من تل أبيب.

والطريق إلى ذلك يمر عبر أربعة أركان: ممرات تصدير متعددة لا يملك أحد مفتاحها وحده، ودرع إسلامي يحمي الخليج فعلاً لا نصاً، ونواة عربية قادرة على الفعل حين يلزم، وتسوية جماعية لا صفقات منفردة، وحماية للحلقات الأضعف قبل أن تنكسر.

الخيارات كلها مُرّة. لكن المُرّ الذي يُختار اليوم أهون من المُرّ الذي سيُفرض غداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *