تراجع النفوذ الإيراني: انتكاسة ظرفية أم بداية انحدار استراتيجي؟
ليس من السهل الحكم على نفوذٍ بُني خلال أربعة عقود بمنطق “صعود/سقوط” سريع. لكن ما يحدث حول إيران منذ 2024 يوحي بأننا أمام تغيّر في قواعد اللعبة أكثر مما نحن أمام “نهاية محور”. فالتراجع الذي يلمسه كثيرون اليوم لا يرتبط فقط بضربة هنا أو خسارة هناك، بل بتراكم كُلفة استراتيجية بدأت تُثقل معادلة “النفوذ بأقل كلفة” التي أتقنتها طهران طويلاً.
السؤال الحقيقي إذن ليس: هل انتهى نفوذ إيران؟ بل: هل دخل مرحلة انحدار نسبي طويل يجبره على إعادة التموضع؟ والجواب الأقرب للواقع: نعم، مع شرط مهم—أن العرب إن أحسنوا إدارة اللحظة يمكنهم تحويل هذا الانحدار إلى تعديل دائم في ميزان الإقليم؛ وإن أساؤوا، قد يتحول إلى فراغٍ يعيد إنتاج النفوذ الإيراني بأشكال جديدة.
لماذا يبدو التراجع هذه المرة “أعمق” من كونه ظرفياً؟
أولاً: كلفة المواجهة المباشرة ارتفعت، وانكسرت “الطبقة العازلة”.
إيران لطالما فضّلت إدارة الصراع عبر الوكلاء، لكن 2024 شهدت انتقالاً إلى مستوى أكثر مباشرة بعد ضرب القنصلية الإيرانية في دمشق، وما تبع ذلك من هجمات متبادلة بالطائرات المسيّرة والصواريخ. ثم جاءت 2025 لتُظهر—بحسب توصيفات متعددة—أن الضربات الدقيقة التي استهدفت مكوّنات من القيادة والبنية العسكرية/الأمنية تضع طهران أمام خيارات أصعب للرد دون الانزلاق إلى حرب لا تريدها. عندما تُستنزف “القدرة على الضبط” وتضيق هوامش المناورة، يصبح النفوذ أقل مرونة وأكثر كلفة.
ثانياً: “العمق الاستراتيجي” يتعرض للاختبار في أكثر من ساحة.
لبنان مثال ساطع: النقاش لم يعد فقط عن دور حزب الله الإقليمي، بل عن “احتكار الدولة للسلاح” وخيارات نزع السلاح/إعادة تعريف قواعد الاشتباك، وسط ضغوط خارجية وتوازنات داخلية دقيقة، وتحركات لدعم المؤسسات الأمنية الرسمية. وفي العراق، صحيح أن شبكات النفوذ ما تزال مؤثرة سياسياً، لكن البيئة أقل سماحاً باستخدام أدوات الماضي نفسها، مع تعقّد الحسابات الداخلية وتزايد حساسية الساحة لأي تصعيد. هذه ليست “خسارة كاملة”، لكنها إشارة إلى أن بعض أدوات النفوذ تُفقد فعاليتها تدريجياً.
ثالثاً: الاقتصاد والشرعية الداخلية باتا قيداً مباشراً على السياسة الخارجية.
عندما يرتفع التضخم إلى مستويات قاسية ويقترب النمو من الصفر، يصبح تمويل المشاريع الخارجية عبئاً سياسياً واجتماعياً. تقديرات صندوق النقد لعام 2025 تشير إلى نمو ضعيف جداً وتضخم مرتفع. وفي ديسمبر 2025 عاد ملف أسعار الوقود للواجهة عبر نظام تسعير جديد يذكّر بحساسية الشارع الإيراني تجاه القرارات المعيشية. هنا يتقلّص “هامش المجازفة”: النفوذ الخارجي يحتاج موارد واستقراراً داخلياً، ومع الضغط المعيشي تصبح أولويات الداخل أكثر إلحاحاً.
لماذا لا ينبغي للعرب أن يبالغوا في إعلان “نهاية إيران”؟
لأن النفوذ الإيراني ليس كتلة واحدة؛ هو شبكة مرنة “تتشكّل وتعيد التشكل”. بعض الدراسات تصف “محور المقاومة” كمنظومة قادرة على التكيّف حتى بعد انتكاسات 2024، عبر تغيير التكتيكات والأدوار وتوزيع الكلفة بين الساحات. ولأن طهران ما تزال تمتلك أدوات تأثير أقل كلفة من الجيوش النظامية: شبكات مسلحة، اقتصاد ظل، نفوذ أيديولوجي، وقدرات صاروخية/مسيّرات، وفاعلية في “المناطق الرمادية”. كما أن أي فراغ سياسي أو أمني في الإقليم—خصوصاً في الدول الهشة—هو أفضل استثمار مجاني لإيران.
الخلاصة: ما نشهده أقرب إلى انحدار نسبي وإعادة تموضع، لا إلى انهيار. وهذا يفرض على العرب استراتيجية “استثمار ذكي” بدل “احتفال مبكر”.
ماذا يجب أن يفعل العرب؟
- تثبيت منطق الدولة في ساحات الاشتباك، لا منطق المحاور.
لبنان والعراق واليمن وسوريا ليست ملفات للمزايدة الإعلامية؛ هي ساحات تُحسم فيها معادلة النفوذ عبر: احتكار السلاح، بناء أجهزة أمن محترفة، ضبط الحدود، وتجفيف الاقتصاد الموازي. أي خطوة تعيد “الدولة” إلى المركز تُقلّص تلقائياً مساحة النفوذ الخارجي.
- بناء جبهة عربية وظيفية: أمن بحري، دفاع جوي، استخبارات، وتمويل مشروط.
التنسيق العربي لا يحتاج “حلفاً شعاراتياً”، بل حزمة عملية: رصد المسيّرات والصواريخ، حماية الممرات البحرية، تبادل معلومات، وقيود مالية دقيقة على شبكات التهريب وغسل الأموال—من دون تحويل المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة.
- تقديم بديل سياسي-اقتصادي داخل الدول الهشة.
النفوذ الإيراني غالباً يدخل من بوابة “الفراغ”: انهيار الخدمات، فساد، تهميش فئات، وأزمات اقتصادية. ما لم يُقدَّم بديل تنموي وإدماجي، ستعود الشبكات غير الدولتية لتملأ الفراغ—even لو ضعفت إيران نفسها.
- فتح مسار ردع-تفاوض مع إيران بضمانات واضحة.
لا مصلحة عربية في حرب شاملة، ولا في ترك الملفات للآخرين. المطلوب قناة إقليمية تُدار ببراغماتية: احترام السيادة، وقف دعم الفواعل المسلحة العابرة للحدود، أمن الملاحة، وعدم استخدام الأقليات والمذاهب كأدوات ضغط. الردع هنا سياسي/اقتصادي/أمني، والتفاوض مشروط بنتائج قابلة للقياس.
- إعادة تعريف “الأمن القومي العربي” بعيداً عن الاستقطاب الطائفي.
أفضل هدية لإيران هي أن يُقدَّم الصراع كصراع مذهبي. حين يتحول إلى صراع “دولة وسيادة وقانون” تتآكل شرعية الوكالة المسلحة تلقائياً.
وما الذي يجب تجنبه؟
- تجنب الغرور الاستراتيجي: إعلان “انكسار إيران” يدفعها لخيارات أكثر خطورة أو لابتكار أدوات نفوذ جديدة.
- تجنب إدارة الملفات عبر وكلاء مقابل وكلاء: من يواجه الوكالة بالوكالة يُطيل عمر الفوضى ويشرعن اللادولة.
- تجنب تسييس الطائفة: الطائفية وقود دائم لشبكات النفوذ العابرة للحدود.
- تجنب ترك الساحات الهشة للاقتصاد الأسود: التهريب والسلاح والميليشيا منظومة واحدة؛ قطع التمويل أهم من الخطابة.
- تجنب الارتهان الكامل لقوى خارجية: الشراكات الدولية ضرورية، لكن بدون قيادة عربية للملفات ستُدار المصالح بغير أولويات العرب.
في النهاية، تراجع النفوذ الإيراني ليس “خبر اليوم” بل مسار. قد يكون بداية انحدار استراتيجي إذا أحسن العرب تحويله إلى واقع مؤسسي: دولة قوية، اقتصاد بديل، وتنسيق أمني ذكي. أما إن اكتفوا بالتشفي أو نقل الصراع إلى مستوى أعلى من الاستقطاب والفوضى، فستتكيف طهران—كما فعلت مراراً—وتعود بنفوذ أقل ضجيجاً وأكثر رسوخاً.