المنطقة بين واشنطن وبكين: خيارات بلا ترف الانحياز
لحظة التوازن الصعب
لم يعد سؤال الشرق الأوسط: “مع من نقف؟” بل “كيف ندير منافسة طويلة بين قوتين تُعيدان تشكيل الاقتصاد العالمي؟”. الولايات المتحدة ما تزال اللاعب الأمني الأهم، والصين باتت شريكًا اقتصاديًا وتقنيًا لا يمكن تجاهله. وبينهما تقف المنطقة بوصفها عقدة طاقة وممرات بحرية وأسواق واستثمارات. هنا تحديدًا تنتهي رفاهية الانحياز الكامل، كما تنتهي رفاهية الحياد البارد. المطلوب هو تموضع ذكي: تعظيم المكاسب، تقليل المخاطر، وبناء هامش قرار مستقل دون استفزاز غير ضروري أو ارتهان مجاني.
لماذا تصاعدت ثنائية واشنطن–بكين؟
التنافس لم يعد تجاريًا فقط. إنه صراع على التكنولوجيا والمعايير وسلاسل الإمداد والمال والطاقة والقدرة على فرض القواعد. واشنطن تملك نفوذًا مركّبًا: تحالفات أمنية، مفاتيح مالية عبر الدولار، وأسبقية في التقنيات المتقدمة وقدرة العقوبات. بكين تملك نفوذًا من نوع آخر: سوقًا ضخمة، تصنيعًا عالميًا، تمويلًا وبنى تحتية، وموقعًا حاسمًا في سلاسل الإمداد. ومع توسّع المنافسة، أصبحت الدول تُدفع تدريجيًا إلى “اختيارات تقنية” قد تتحول سريعًا إلى “اصطفافات سياسية”.
واشنطن: المظلة الأمنية… وقلق الأولويات
الولايات المتحدة لا تزال الضامن الأكبر لأمن الملاحة وشبكات الردع في الخليج، وهذا وزن لا يُستبدل بسهولة. لكن في المقابل، هناك شعور متنامٍ بأن واشنطن تُعيد توزيع اهتمامها نحو آسيا، وتخفّف استعدادها لتكاليف الالتزامات الطويلة، وتطلب من الحلفاء “مشاركة أكبر للأعباء”. هذا لا يعني انسحابًا بقدر ما يعني أن الضمانات باتت أكثر تعقيدًا: استمرار الدعم مع سقوف سياسية داخلية، وحساسية أعلى تجاه ملفات التكنولوجيا والاتصالات والبيانات والعقوبات.
بكين: شريك الاقتصاد… ومخاطر التبعية التقنية
الصين تقدّم نفسها كشريك تنمية: موانئ، مناطق صناعية، طاقة، لوجستيات، تمويل، ومشاريع سريعة التنفيذ. وهذا جذّاب لدول تسعى للتنويع والنمو. لكن هذا المسار يحمل مخاطر غير مرئية: التبعية التقنية في الاتصالات والبيانات والذكاء الاصطناعي، واعتماد مفرط على سوق واحد أو تمويل واحد، أو تحويل البنية التحتية إلى نفوذ سياسي عند الأزمات. الصين ليست “بديلًا أمنيًا” جاهزًا للمنطقة، لكنها تستطيع بناء نفوذ طويل عبر الاقتصاد والمعايير.
لماذا لا تملك المنطقة ترف الانحياز؟
الانحياز الكامل لأي طرف قد يولّد كلفة استراتيجية:
الارتهان لواشنطن وحدها قد يقيّد خيارات الاستثمار والتكنولوجيا ويضع الاقتصاد تحت ضغط “حرب المعايير” مع الصين. والارتهان لبكين وحدها قد يضعف هامش الحركة في ملفات حساسة ويصطدم بخطوط واشنطن الحمراء في الاتصالات والتسليح والبيانات، ويعرّض الدول لضغوط عقوبات أو عزل تقني. الأخطر من ذلك أن تتحول الدولة إلى ساحة اختبار أو “غنيمة نفوذ” بدل شريك يحسن إدارة مصالحه.
التوازن ليس شعارًا: أين ينجح وأين يفشل؟
المشكلة أن بعض الملفات قابلة لتعدد الشركاء، وبعضها لا يحتمل ازدواجية عميقة دون ثمن. يمكن تنويع الشراكات في قطاعات مثل التجارة، التصنيع، الطاقة المتجددة، والبنية اللوجستية. لكن قطاعات مثل الأمن السيبراني، شبكات الاتصالات الحساسة، البيانات السيادية، وأنظمة السلاح المتقدمة—هذه ملفات “تخلق تبعية” وتفتح أبواب اختراق أو ابتزاز. لذلك، التوازن يحتاج خرائط واضحة: ما الذي يُفتح للمنافسة، وما الذي يُحمى كسيادة.
التمركز الذكي: فصل المسارات بدل خلطها
أفضل مقاربة للمنطقة هي “فصل المسارات”: توسعة التعاون مع الصين اقتصاديًا حيث تكون المكاسب عالية والمخاطر قابلة للإدارة، مع ضبط صارم للبنى السيادية الحساسة. وفي الوقت نفسه الحفاظ على الشراكة الأمنية مع واشنطن، دون تحويلها تلقائيًا إلى شرط لتسييس كل العلاقات الاقتصادية مع بكين. هذه ليست مسايرة لطرفين، بل تصميم سياسة تمنع أن تتحول أي شراكة إلى قيد على القرار الوطني.
تنويع الشركاء: كسر ثنائية الابتزاز
التوازن الحقيقي لا يبنى بين قطبين فقط. إدخال أوروبا واليابان والهند وكوريا الجنوبية وغيرهم يخلق شبكة أمان تقلل ثمن أي ضغط أمريكي أو صيني. حين تتعدد البدائل، تقل قابلية الدولة للابتزاز: تمويل من جهة، تكنولوجيا من جهة ثانية، أسواق تصدير من جهة ثالثة. هذا ليس تشتيتًا؛ بل إدارة محفظة مصالح تُحصّن الاقتصاد من الصدمات وتمنح السياسة الخارجية مرونة.
تحويل الجغرافيا إلى قوة تفاوضية
المنطقة تملك ما يريده الجميع: الطاقة، الممرات البحرية، وكتلة استثمارية وسوقًا استهلاكية. لكن القيمة الحقيقية لا تتحقق إذا بقيت المنطقة “نقطة عبور”. المطلوب تحويل الجغرافيا إلى سلاسل قيمة: موانئ تتحول إلى منصات تصنيع ولوجستيات، طاقة تتحول إلى صناعات وبتروكيميائيات وهيدروجين وتخزين، وممرات بحرية تُدار ضمن ترتيبات أمنية واقتصادية ترفع قيمة الاستقرار بدل أن تجعل الاستقرار مجرد تكلفة.
الاستقلال الاستراتيجي: امتلاك مفاتيح القرار
لا معنى للتوازن من دون قدرات ذاتية في ملفات حاكمة: أمن غذائي، سلاسل أدوية، تخزين طاقة، سيادة رقمية، وقدرات دفاعية أساسية. المقصود ليس اكتفاءً ذاتيًا وهميًا، بل امتلاك “مفاتيح قرار” تمنع أي طرف من استغلال نقطة ضعف واحدة—قرض، تقنية، منظومة، أو سلعة حيوية—لفرض اصطفاف سياسي. كلما زادت هذه المفاتيح، كبرت مساحة المناورة.
كيف تتصرف المنطقة عندما يُطلب منها موقف حاسم؟
ستأتي لحظات يُطلب فيها اصطفاف سياسي أو قرار تقني يقصي الطرف الآخر. هنا يجب أن تتقدم قاعدة واحدة: المصلحة بعيدة المدى والاستقرار الداخلي وقدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات. لا رد فعل، ولا عاطفة، ولا انبهار بنموذج. القرار الذكي هو الذي يحفظ خيارات المستقبل ويمنع بناء تبعية لا يمكن كسرها لاحقًا.
خاتمة: الخيار الحقيقي هو اختيار الذات
العالم يتغير بسرعة، ومن لا يحدد موقعه سيُوضع في موقع يختاره الآخرون. لذلك، ليست القضية أن تختار المنطقة بين واشنطن وبكين، بل أن تختار نفسها: استراتيجية تموضع تُوازن بين الأمن والاقتصاد، تفصل المسارات الحساسة، تنوّع الشركاء، وتبني استقلالًا استراتيجيًا واقعيًا. في زمن المنافسة الكبرى، الرابح ليس من يرفع راية أعلى، بل من يمسك خيوط قراره بيده ويحوّل العلاقات الخارجية من تبعية محتملة إلى رافعة سيادة وتنمية.