Twitter
Linkedin

العرب في النظام الدولي متعدد الأقطاب: كيف نلعب اللعبة دون أن نفقد البوصلة؟

إدارة العلاقات مع الغرب وروسيا والصين دون التفريط بالهوية أو القرار

لم يعد العالم يُدار من عاصمة واحدة، ولا تُرسم قواعده من مركز واحد. النظام الدولي يدخل اليوم مرحلة «تعدد الأقطاب» بكل ما تحمله من فرص ومخاطر، حيث تتراجع الهيمنة الأحادية، ويشتد التنافس بين قوى كبرى تتقدمها الولايات المتحدة، والصين، وروسيا. وفي خضم هذا التحول، يجد العالم العربي نفسه أمام سؤال استراتيجي مصيري: كيف نُحسن إدارة علاقاتنا مع هذه القوى المتنافسة دون أن نفقد بوصلتنا، أو نتحول مجددًا إلى ساحات صراع بالوكالة؟

لسنوات طويلة، تعاملت معظم الدول العربية مع النظام الدولي من موقع ردّ الفعل، لا الفعل؛ من منطق الاصطفاف لا الموازنة؛ ومن زاوية الأمن الضيق لا المصلحة الشاملة. لكن الواقع الدولي الجديد لا يسمح بهذا الترف. تعدد الأقطاب لا يكافئ الضعفاء ولا ينتظر المترددين، بل يمنح مساحة أوسع لمن يملك رؤية، وقدرة على المناورة، ووحدة في تعريف المصالح.

أولًا: تعدد الأقطاب فرصة لا تهديد—إن أُحسن التعامل معها

في النظام الأحادي، كان هامش الحركة محدودًا، وكانت كلفة الخروج عن الخط المرسوم مرتفعة. أما اليوم، فإن تنوع مراكز القوة يفتح نافذة نادرة أمام العرب لإعادة تموضعهم دوليًا. لكن هذه الفرصة قد تنقلب إلى عبء إذا أسيء استخدامها، فتحولت الموازنة إلى تناقض، والانفتاح إلى ارتهان، والبراغماتية إلى فقدان بوصلة.

القاعدة الأولى في هذا السياق أن العلاقات المتوازنة لا تعني الحياد السلبي، بل تعني وضوح الأولويات. لا يمكن للعرب أن يكونوا «مع الجميع في كل شيء»، ولا «ضد الجميع في كل شيء». المطلوب هو تعريف المصالح العربية العليا بوضوح: الأمن الإقليمي، التنمية الاقتصادية، الاستقلال الاستراتيجي، وحماية الهوية والسيادة.

ثانيًا: الغرب شريك… لكن ليس وصيًا

العلاقة مع الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة وأوروبا، ستظل محورية بحكم التشابك الأمني والاقتصادي والتكنولوجي. لكن الإشكالية التاريخية كانت في اختلال ميزان هذه العلاقة، حيث تحوّل الشراكة أحيانًا إلى تبعية، والتعاون إلى إملاءات سياسية وأخلاقية انتقائية.

في عالم متعدد الأقطاب، يمتلك العرب فرصة لإعادة ضبط هذه العلاقة على أساس المصالح المتبادلة لا «الديون السياسية». الشراكة مع الغرب يجب أن تُدار من موقع الندّية: تعاون في الأمن، استثمار في الاقتصاد، وانفتاح في التكنولوجيا—مقابل احترام القرار السيادي العربي وعدم استخدام ملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان كأدوات ضغط انتقائية تخدم أجندات آنية.

ثالثًا: روسيا والصين… بدائل أم مكمّلات؟

التوجه شرقًا لا يجب أن يُفهم كبديل أيديولوجي أو اصطفاف جديد، بل كجزء من سياسة تنويع الشركاء. روسيا تقدم نفسها لاعبًا أمنيًا وسياسيًا، والصين قوة اقتصادية وتكنولوجية صاعدة. لكن التعامل معهما يجب ألا يكون من منطلق «الهروب من الغرب»، بل من منطلق تعظيم الخيارات.

التحدي هنا هو ألا تتحول العلاقات مع موسكو أو بكين إلى إعادة إنتاج لنماذج تبعية جديدة، سواء عبر الارتهان العسكري أو الاعتماد الاقتصادي المفرط. الصين، على سبيل المثال، شريك تنموي مهم، لكنها ليست مشروعًا سياسيًا بديلًا، وروسيا لاعب مؤثر، لكنها ليست مظلة أمنية شاملة. المعيار يجب أن يبقى واحدًا: ما الذي يخدم المصلحة العربية طويلة الأمد؟

رابعًا: البوصلة العربية—من دونها سنُستَخدم لا نُشارِك

المشكلة ليست في تعدد الشركاء، بل في غياب بوصلة عربية جامعة. دون حد أدنى من التنسيق العربي—سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا—ستبقى كل دولة تفاوض منفردة من موقع أضعف، وستُدار العلاقات الدولية كملفات ثنائية معزولة لا كجزء من استراتيجية إقليمية.

استعادة الفاعلية العربية تبدأ من تعريف مشترك للأولويات، وبناء أدوات تنسيق حقيقية، لا بيانات تضامن. في عالم تتصارع فيه التكتلات، لا مكان للدول المتفرقة، ولا وزن للأصوات المنعزلة، مهما بلغت ثرواتها.

خاتمة: اللعب الذكي لا يعني فقدان الذات

العرب اليوم أمام لحظة تاريخية نادرة. النظام الدولي يتغير، وموازين القوة تعاد صياغتها. إما أن نكون لاعبين عقلانيين يعرفون كيف يوازنون دون أن يذوبوا، وكيف ينفتحون دون أن يفقدوا هويتهم، أو أن نبقى أوراقًا على طاولة الآخرين.

اللعب في النظام الدولي متعدد الأقطاب يتطلب مهارة، نعم، لكنه يتطلب قبل ذلك بوصلة واضحة. ومن دون هذه البوصلة، لن يكون السؤال مع أي قطب نتحالف، بل أي قطب سيقرر عنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *