الأمن العربي بين الردع والتكامل: أي نموذج قابل للحياة؟
في عالمٍ يتغيّر بوتيرة متسارعة، لم يعد مفهوم الأمن مسألة عسكرية صِرفة، ولا الردع وحده كافيًا لحماية الدول أو استدامة الاستقرار. بالنسبة للعالم العربي، يتضاعف هذا التحدي بفعل هشاشة الإقليم، وتشابك الصراعات، وتراجع فاعلية الأطر الجماعية، وصعود فاعلين من غير الدول، إلى جانب اختلال موازين القوى مع الجوار الإقليمي. هنا يبرز سؤال جوهري: هل ما زال نموذج الردع التقليدي كافيًا لضمان الأمن العربي، أم أن التكامل الأمني هو الخيار القابل للحياة في المرحلة المقبلة؟
أولًا: الردع… ضرورة غير كافية
لطالما شكّل الردع حجر الأساس في الاستراتيجيات الأمنية العربية، سواء عبر بناء الجيوش النظامية، أو من خلال التحالفات الثنائية والمتعددة مع قوى دولية كبرى. وقد نجح هذا النموذج، جزئيًا، في حماية الحدود ومنع الانزلاق إلى حروب شاملة بين الدول العربية، لكنه فشل في التعامل مع التهديدات الجديدة.
فالردع يفترض وجود عدو واضح، ودولة مركزية يمكن مخاطبتها أو ردعها. لكن الواقع الإقليمي اليوم تحكمه تهديدات هجينة: ميليشيات عابرة للحدود، حروب بالوكالة، هجمات سيبرانية، استخدام الاقتصاد والطاقة كسلاح، إضافة إلى حملات التضليل الإعلامي. في هذا السياق، تصبح أدوات الردع التقليدية بطيئة، ومكلفة، وأحيانًا غير ذات صلة.
الأخطر من ذلك أن الاعتماد المفرط على الردع العسكري أدى إلى سباق تسلّح داخل الإقليم، استنزف الموارد دون أن يحقق أمنًا حقيقيًا، بل ساهم في تعميق فجوات الثقة بين الدول العربية نفسها.
ثانيًا: التكامل الأمني… الفكرة المؤجلة
في المقابل، يطرح التكامل الأمني نموذجًا مختلفًا، يقوم على تحويل الأمن من عبء وطني منفرد إلى مسؤولية جماعية مشتركة. هذا المفهوم ليس جديدًا؛ فقد طُرح منذ تأسيس جامعة الدول العربية، وأُعيد إحياؤه في أكثر من مرحلة، لكنه ظل حبيس البيانات والقمم.
التكامل الأمني لا يعني إلغاء السيادة أو توحيد الجيوش، بل تنسيق السياسات، وتبادل المعلومات، وبناء قدرات مشتركة لمواجهة التهديدات العابرة للحدود. وهو نموذج أثبت فعاليته في تجارب إقليمية أخرى، من الاتحاد الأوروبي إلى الآسيان، رغم اختلاف السياقات.
في الحالة العربية، تكمن قيمة التكامل في أنه يعالج أصل المشكلة: التجزئة. فمعظم التهديدات التي تواجه دولة عربية ما، هي ذاتها التي تهدد جيرانها، سواء كانت الإرهاب، أو تهريب السلاح، أو الهجرة غير النظامية، أو أمن الممرات البحرية، أو حتى الأمن الغذائي والمائي.
ثالثًا: لماذا فشل التكامل سابقًا؟
السؤال الذي يفرض نفسه هو: إذا كان التكامل هو الخيار الأكثر عقلانية، فلماذا لم ينجح عربيًا؟ الإجابة تكمن في ثلاثة عوامل رئيسية.
أولها غياب الثقة السياسية، حيث طغت الخلافات البينية، والتجاذبات الأيديولوجية، وتضارب الأولويات الوطنية على أي تصور جماعي. ثانيها ضعف المؤسسات الإقليمية، التي افتقرت إلى الصلاحيات التنفيذية والآليات الملزمة. وثالثها الارتهان للخارج، إذ فضّلت دول عربية كثيرة ضمان أمنها عبر شراكات دولية بدل الاستثمار في بنية أمنية عربية مشتركة.
لكن المتغير الجديد اليوم هو أن هذه المقاربات لم تعد مضمونة. القوى الدولية باتت أقل استعدادًا لتحمّل كلفة أمن الإقليم، وأكثر انشغالًا بصراعاتها الخاصة، ما يفرض على العرب إعادة التفكير في أمنهم بأدواتهم.
رابعًا: نحو نموذج هجين: الردع بالتكامل
الاختيار الواقعي لا يكمن في المفاضلة بين الردع أو التكامل، بل في الجمع بينهما ضمن نموذج هجين. الردع يظل ضروريًا لحماية الدول ومنع الاعتداءات المباشرة، لكن فعاليته تتضاعف حين يكون جزءًا من منظومة تكاملية.
هذا النموذج يقوم على عدة ركائز: أولًا، بناء رؤية عربية مشتركة للتهديدات، بدل قراءات متناقضة تضعف الاستجابة الجماعية. ثانيًا، إنشاء آليات دائمة لتبادل المعلومات الاستخبارية والأمنية، بعيدًا عن الطابع الموسمي أو الظرفي. ثالثًا، تطوير قدرات مشتركة في المجالات الجديدة، مثل الأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية الحيوية، وأمن الطاقة والغذاء.
الأهم أن التكامل لا يجب أن يبدأ من القمة فقط، بل من التعاون العملي بين المؤسسات: الجيوش، والأجهزة الأمنية، وهيئات إدارة الأزمات، وحتى القطاع الخاص في مجالات التكنولوجيا والدفاع.
خامسًا: من الأمن الصلب إلى الأمن الشامل
أحد أخطاء المقاربة العربية للأمن هو حصره في البعد العسكري. التجربة أثبتت أن غياب التنمية، وضعف الحوكمة، والتفاوت الاجتماعي، هي بحد ذاتها تهديدات أمنية. لذا، فإن أي نموذج قابل للحياة يجب أن يتبنى مفهوم “الأمن الشامل”.
الأمن العربي اليوم مرتبط بالاقتصاد بقدر ارتباطه بالسلاح. اضطراب سلاسل الإمداد، أو شح المياه، أو انهيار دولة عربية، ينعكس فورًا على جيرانها. من هنا، يصبح التكامل الاقتصادي، والاستثمار المشترك، وإعادة الإعمار، أدوات أمنية بامتياز، لا تقل أهمية عن الجيوش.
سادسًا: هل اللحظة مواتية؟
رغم قتامة المشهد، قد تكون اللحظة الراهنة فرصة نادرة. التحولات الإقليمية، وتراجع الأوهام الأيديولوجية، وكلفة الصراعات الطويلة، كلها عوامل تدفع نحو مقاربة أكثر براغماتية. هناك إدراك متزايد بأن الأمن لا يُستورد، وأن الاستقرار المستدام لا يتحقق بالتحالفات المؤقتة وحدها.
السؤال ليس هل يستطيع العرب بناء نموذج أمني متكامل، بل هل يملكون الإرادة السياسية لفعل ذلك. التاريخ يعلّمنا أن غياب هذه الإرادة هو التهديد الأكبر.
الأمن العربي يقف اليوم عند مفترق طرق. الاستمرار في الاعتماد على الردع المنفرد يعني مزيدًا من الهشاشة، بينما القفز غير المحسوب نحو تكامل شكلي لن يغيّر الواقع. النموذج القابل للحياة هو ذاك الذي يزاوج بين الردع والتكامل، بين القوة الصلبة والتعاون الذكي، وبين السيادة الوطنية والمصلحة الجماعية. في نهاية المطاف، الأمن ليس غاية بحد ذاته، بل شرط للنهضة. ومن دون إطار عربي جديد يعيد تعريف الأمن بوصفه مشروعًا جماعيًا، ستبقى المنطقة تدور في حلقة مفرغة من الأزمات، مهما تغيّرت التحالفات وتبدّلت العناوين.