تطويق اللحظة الإيرانية: استراتيجية عربية جديدة للشرق

الحرب الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى قد تمثل إحدى أهم اللحظات التحولية في تاريخ الشرق الأوسط منذ حرب العراق عام 2003. فالهجمات التي استهدفت البنية العسكرية الإيرانية وبرنامجها النووي أدخلت المنطقة في مرحلة جديدة من عدم اليقين، وأظهرت في الوقت ذاته هشاشة الشبكة الإقليمية التي بنتها طهران على مدى عقود.

لكن بالنسبة للدول العربية في الشرق – وخاصة دول الخليج والأردن ومصر – فإن هذه اللحظة ليست مجرد تطور عسكري عابر. إنها لحظة استراتيجية نادرة قد تعيد رسم توازنات المنطقة لعقود قادمة.

والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إيران ستضعف نتيجة هذه الحرب، بل ما إذا كانت الدول العربية ستتمكن أخيراً من صياغة استراتيجية جماعية تمنع عودة المشروع التوسعي الإيراني في المستقبل.

فالمطلوب اليوم ليس فقط مواجهة إيران، بل إعادة تشكيل البيئة الجيوسياسية المحيطة بها بحيث يصبح تمددها الإقليمي مستحيلاً.

الساحة الأولى: استعادة التوازن في المشرق العربي

الخطوة الأولى لأي استراتيجية عربية يجب أن تبدأ من المشرق العربي نفسه.

فالعراق وسوريا ولبنان كانت طوال العقدين الماضيين الساحات التي استخدمتها إيران لبناء نفوذها الإقليمي. ومن خلال هذه الدول تمكنت طهران من إنشاء ممر استراتيجي يمتد من حدودها الغربية إلى البحر المتوسط.

إذا كانت إيران اليوم تدخل مرحلة ضعف أو اضطراب داخلي، فإن هذه الدول ستتحول فوراً إلى ساحات صراع على النفوذ.

لذلك يجب على الدول العربية التحرك بسرعة وفق ثلاثة محاور رئيسية:

أولاً، دعم استعادة مؤسسات الدولة في العراق وسوريا ولبنان، لأن ضعف الدولة هو البيئة المثالية لنمو الميليشيات والشبكات المسلحة.

ثانياً، دمج اقتصادات هذه الدول تدريجياً في المنظومة العربية من خلال مشاريع الطاقة والكهرباء والبنية التحتية والتجارة.

ثالثاً، تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي العربي لقطع خطوط الإمداد والتمويل التي استخدمتها الشبكات المرتبطة بإيران.

إذا نجح هذا المسار، فإن المشرق العربي سيتحول من بوابة للنفوذ الإيراني إلى حاجز جيوسياسي يمنع عودته.

الحزام الشمالي: القوقاز وآسيا الوسطى

لكن احتواء إيران لا يمكن أن يتحقق من خلال الساحة العربية وحدها.

إيران دولة كبيرة جغرافياً، وحدودها تمتد عبر فضاءات واسعة نحو القوقاز وآسيا الوسطى. وفي هذه المنطقة تقع مجموعة من الدول المسلمة التي كانت سابقاً جزءاً من الاتحاد السوفيتي مثل:

أذربيجان

كازاخستان

أوزبكستان

تركمانستان

قرغيزستان

طاجيكستان

هذه الدول أصبحت اليوم أكثر أهمية في المعادلة الجيوسياسية للشرق الأوسط.

فهي تقع على الخاصرة الشمالية لإيران وتمتلك موارد طاقة ضخمة وممرات نقل استراتيجية تربط آسيا بأوروبا والشرق الأوسط.

ومن هنا تبرز فرصة استراتيجية للدول العربية.

فإقامة شراكات اقتصادية واستراتيجية مع دول القوقاز وآسيا الوسطى يمكن أن يخلق حزاماً جيوسياسياً شمالياً حول إيران يربط الخليج العربي ببحر قزوين وآسيا الوسطى.

هذا التعاون يمكن أن يشمل:

مشاريع الطاقة بين الخليج وبحر قزوين

ممرات النقل والتجارة عبر العراق وتركيا والقوقاز

التعاون الأمني في مكافحة الشبكات المتطرفة والجريمة العابرة للحدود

بهذا الشكل تصبح البيئة الجيوسياسية المحيطة بإيران أقل قابلية للتأثر بنفوذها وأكثر ارتباطاً بالاقتصاد العربي.

أفغانستان: الجبهة الشرقية

إلى الشرق من إيران تقع ساحة استراتيجية أخرى غالباً ما يتم تجاهلها في الحسابات العربية: أفغانستان.

فأفغانستان كانت تاريخياً إحدى النقاط التي حاولت إيران توسيع نفوذها من خلالها، مستفيدة من ضعف الدولة والصراعات الداخلية.

لكن أفغانستان يمكن أيضاً أن تتحول إلى عنصر توازن مهم في المعادلة الإقليمية.

فمن خلال التعاون مع باكستان ودول آسيا الوسطى وتركيا، يمكن للدول العربية المساهمة في إدماج أفغانستان تدريجياً في منظومة اقتصادية أوسع تربط:

الخليج العربي

جنوب آسيا

آسيا الوسطى

الاستثمار في البنية التحتية والزراعة والطاقة والممرات التجارية يمكن أن يغير دور أفغانستان من مصدر دائم للاضطراب إلى نقطة اتصال اقتصادية بين عدة أقاليم.

وفي الوقت نفسه سيقلل ذلك من اعتماد أفغانستان الاقتصادي والسياسي على إيران.

الشراكات الجديدة: تركيا وباكستان

لا يمكن بناء هذا النظام الإقليمي الجديد دون التعاون مع قوى إقليمية رئيسية.

تركيا تمتلك حضوراً قوياً في سوريا والقوقاز والصناعات الدفاعية.

أما باكستان فهي قوة عسكرية كبيرة ولها تأثير مهم في جنوب آسيا وأفغانستان والعالم الإسلامي.

التعاون بين الدول العربية وتركيا وباكستان يمكن أن يشكل مثلثاً استراتيجياً جديداً يقوم على المصالح المشتركة وليس على التحالفات الأيديولوجية.

هذا التعاون يمكن أن يركز على:

التصنيع الدفاعي مع تركيا

التنسيق الأمني مع باكستان

ممرات التجارة والطاقة التي تربط الخليج بآسيا الوسطى وجنوب آسيا

مثل هذا النظام الإقليمي سيخلق توازناً جديداً يمنع أي قوة إقليمية من الهيمنة.

العلاقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل

في الوقت ذاته يجب على الدول العربية أن تتعامل بواقعية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

فالحرب الحالية تؤكد أن واشنطن لا تزال القوة العسكرية الأهم في المنطقة، وأن إسرائيل قادرة على توجيه ضربات استراتيجية عندما ترى أن أمنها مهدد.

لكن المصالح العربية ليست دائماً مطابقة لمصالح هاتين الدولتين.

فالهدف العربي ليس حرباً دائمة مع إيران، ولا نظاماً إقليمياً تُفرض فيه الترتيبات الأمنية من الخارج.

بل الهدف هو بناء نظام إقليمي أكثر توازناً تقوده دول المنطقة نفسها.

الهدف الاستراتيجي

على مدى العقود الماضية تمكنت إيران من بناء نفوذها الإقليمي مستفيدة من فراغات الدولة وضعف التنسيق العربي.

اليوم قد تفتح التطورات الحالية نافذة تاريخية لعكس هذا المسار.

إذا تمكنت الدول العربية من التحرك جماعياً – عبر استقرار المشرق العربي، وبناء شراكات مع القوقاز وآسيا الوسطى، والانخراط في أفغانستان، وتعزيز التعاون مع تركيا وباكستان – فإنها يمكن أن تخلق بيئة جيوسياسية تجعل عودة المشروع التوسعي الإيراني أمراً شديد الصعوبة.

في مثل هذا النظام ستبقى إيران دولة مهمة في المنطقة، لكنها لن تكون قادرة مرة أخرى على إعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر الوكلاء والميليشيات.

لقد أمضت المنطقة عقوداً وهي تتفاعل مع الاستراتيجية الإيرانية.

المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة استراتيجية عربية تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *